سوريا - محليات
ثروة منهوبة بسجلات مفقودة.. تفاصيل غير متداولة عن الأوقاف السورية
ا
العين السورية
نشر في: ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، ١٤:٠٥عدل في: ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، ١٤:٠٥
3 دقيقة
0

في قلب دمشق، حيث تتقاطع الذاكرة مع الحاضر، يطفو على السطح واحد من أكثر الملفات تعقيداً في سوريا.. ملف العقارات الوقفية.
هو ملف لا يشبه غيره، لأنه لا يتعامل مع أرقام وأبنية فقط، بل مع إرث يمتد لقرون، ومع أسئلة معلقة حول الملكية والعدالة والتاريخ.
بين دفاتر قديمة غير مكتملة، وسجلات عقارية متداخلة، ووثائق مبعثرة، وسجلات تفتقر إلى الدقة ولا تشكل قاعدة بيانات موثوقة للأملاك الوقفية، وشائعات تنتشر أسرع من الحقائق، غدا هذا الملف اليوم في قلب الجدل العام، بعد أن تحول من شأن إداري إلى قضية رأي.
تأويلات وأوهام
في المسافة الفاصلة بين الحقائق والتأويلات، ولا سيما ما يتعلق بالأرشيف العثماني، أثار موضوع الأملاك الوقفية جدلاً واسعاً، بعد أن تم تداول مقاطع مجتزأة وتصريحات غير مكتملة، ما أدى إلى انتشار تفسيرات خاطئة ومخاوف لدى المواطنين.
هذا النقص لا يعد مجرد خلل إداري، بل يمثل نقطة تأسيسية في فهم الأزمة: كيف يمكن إدارة ملكية واسعة ومعقدة دون ذاكرة مؤسساتية مكتملة؟
ثروة بلا خريطة
تبدأ القصة من واقع صادم، يكشفه معاون وزير الأوقاف لشؤون الوقف، سامر بيرقدار، الذي يلفت إلى تسلم الوزارة لملف الأوقاف دون أرشيف منظم أو بيانات دقيقة، بل بأوراق مبعثرة تعكس عقوداً من الإهمال لا تكفي لتكوين صورة واضحة عن حجم الثروة الوقفية..
ومع التعمق، تظهر صورة أكثر قتامة: عمليات بيع طالت أملاك الوقف منذ ستينيات القرن الماضي وحتى عام 2018 ، بأسعار زهيدة ولصالح متنفذين، رافقها تلاعب في السجلات العقارية وتفريغ قانوني مشكوك في شرعيته.
يوضح بيرقدار أن العمل جارٍ على دراسة الأرشيف العثماني بشكل شامل، بهدف توثيق أملاك الأوقاف في سوريا بدقة. وتشير التقديرات إلى وجود أعداد كبيرة من العقارات الوقفية، قد تتجاوز 8000 عقار في دمشق و18000 في حلب، وربما أكثر من ذلك بكثير.
سؤال الملكية… من المالك ؟
يبدو أن القصة لا تتوقف عند حدود الفساد الإداري فقط. ففي خضم هذا التعقيد، يقدم المحامي محمد وسام كريم الدين، رئيس مركز الوفاق للتحكيم التجاري، قراءة قانونية لـ" العين السورية" تكشف وجهاً آخر للمشكلة، إذ لا يقتصر الخلل على التعدي على أملاك الوقف، بل يمتد – في بعض الحالات – إلى أصل ملكية بعض العقارات نفسها.
فالأوقاف الذرية (العائلية)، التي أنشئت لخدمة فئات محددة من ذرية الواقف، جرى دمجها مع الأوقاف العامة بموجب تشريعات، أبرزها القانون رقم 1 لعام 1955، ما أدى إلى تغيير غايتها الأصلية وحرمان مستحقيها.. وهنا تظهر إشكالية مزدوجة:
- حق الدولة في إدارة الوقف.
- حق الواقف الأصلي وذريته في الغاية التي أُنشئ الوقف من أجلها..
ومن هنا، يطرح ضرورة إعادة النظر في هذه الحالات، لأن العدالة لا تكتمل إذا بقيت حقوق أصحابها مغيبة.
وفي الوقت ذاته، يسلط الضوء على خلل آخر لا يقل خطورة، يتمثل في آليات استثمار العقارات الوقفية، حيث فُتحت أبواب الفساد عبر تأجيرها بأسعار زهيدة ولمدد طويلة، لم تواكب التحولات الاقتصادية، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين القيمة الحقيقية للعقارات وبين العائد الفعلي منها.
ويشار إلى أن آليات تقدير الإيجارات، التي اعتمدت على خبراء أو لجان، فتحت في بعض الحالات باباً للتأثيرات غير العادلة، ما انعكس على صندوق الأوقاف وعوائده، وكان واضحاً التجيير لصالح مقربين أو منتفعين، رغم وجود أدوات قانونية كانت تتيح تصحيح هذا المسار. إلا أن التطبيق العملي، القائم على تقديرات فردية، حول هذه الأدوات إلى منفذ جديد للهدر.
35 ألف عقار معظمها خارج الاستثمار
من منظور تاريخي أوسع، يعيد المحامي معتز سكرية النقاش إلى جذوره، موضحاً في حديثه لـ " العين السورية" أن الوقف، في أصله، ليس مجرد ملكية عقارية مجمدة، بل منظومة اجتماعية واقتصادية عريقة، تقوم على "حبس الأصل وتسبيل المنفعة"، وكان أحد أعمدة التنمية في التاريخ الإسلامي ..
لكن هذا الإرث بحسب سكرية تعرض لتفكيك تدريجي من الانتداب الفرنسي، إلى التأميم، إلى القوانين الحديثة وصولاً الى ضياع الوثائق وتداخل الملكيات ونسبها لغير أصحابها. ورغم أن عدد العقارات الوقفية يقدر بنحو 35 ألف عقار معظمها في دمشق وحلب ، وقيمتها الإجمالية تتجاوز 11 مليار دولار، يعني ثروة هائلة ..لكنها عملياً معطلة ..
وهنا يبرز سؤال أكثر حدة .. هل يمكن استثمار وقف تم تغيير مساره الأصلي دون إعادة تقييم جذره القانوني؟
طمس الهوية الوقفية
بحسب سكرية لم يكن تراجع الأوقاف عشوائياً بل نتيجة مسار طويل ...
مصادرات في زمن الانتداب ...سيطرة الدولة بعد الاستقلال، حيث وجدت الدولة الضعيفة أن من مصلحتها الاستيلاء و السيطرة على الأوقاف من خلال تشكيل وزارة للأوقاف تدير هذه الأملاك ، ليستمر الاستيلاء عليها في عهد الوحدة بالتأميم مما جعل الاقتصاد السوري يتراجع أكثر فأكثر.
النتيجة استمر ضعف الأوقاف في زمن الأسدين في النظام البائد، مما دمر القطاع الوقفي أيضاً وقد صدر منذ عام 1963 وحتى عام 2024 مئات القرارات الناظمة للأوقاف، حيث وصل الوقف لحالة صعبة لم يعد من الممكن فيها حصر الأوقاف التي كانت تنهب .
تخضع الأوقاف حالياً للقانون رقم 31 لعام 2018 الذي ساعد في استمرار السيطرة على العقارات الوقفية و استمرار نهبها، حيث أن معظمها مؤجر ببدلات بخسة لا تسمن و لا تغني من جوع ، إضافة لضياع و فقدان واندثار سند ملكية تلك الأوقاف أو الحجة الوقفية، ونسب ملكيتها لهم بعد طمس هويتها الوقفية.
معالجة مدروسة
لمعالجة هذه الحالات جزم المحامي سكرية بالعودة إلى محاضر وقرارات القاضي العقاري الموجودة في أرشيف المصالح العقارية، لتبيان العقارات الوقفية التي اندثرت و سُرقت وثائق ملكيتها، وقد يساعد في ذلك الوثائق المحفوظة في وزارة الأوقاف ومديرياتها، والاستعانة بالجهات المختصة في البلاد الصديقة، ومنها تركيا التي من الممكن أن تكون محتفظة بصور عن سندات التمليك لتلك العقارات الوقفية، كونها كانت منظمة من قبلها، ولعل أهم مرجع للتثبت من عائدية العقار هو الصحيفة العقارية والتي تتألف كما نصت المادة 4 من اللائحة التنفيذية لقانون السجل العقاري رقم 189 لعام 1926.
الشائعة التي كشفت هشاشة الثقة
وسط هذا التعقيد، جاءت الشرارة من مواقع التواصل الاجتماعي، التي "توشي" عن نقل ملكية مناطق كاملة في دمشق إلى جهات خارجية. غير أن هذه الادعاءات قوبلت بتوضيحات رسمية نفت بشكل قاطع مايتم تداوله، وأنه لا وجود لأي نقل ملكية ، وأن الوقف السوري ملكية سورية خالصة ، ولا يمكن نقلها أو المطالبة بها من أي جهة خارجية.
استعانة بالأرشيف
الاستعانة بالأرشيف العثماني ليست سوى أداة توثيق تاريخية، لا تمنح أي جهة حقاً في هذه الأملاك. وهو ما أكده معاون الوزير بيرقدار بشكل قاطع، نافياً أي علاقة لتركيا بملكية الأوقاف في سوريا .
ويؤكد بيرقدار أن المشتري حسن النية يتمتع بحماية قانونية كاملة، ولا يمكن نزع ملكيته. وتتركز المساءلة على الحالات التي ثبت فيها وجود تلاعب أو نقل غير قانوني للملكية، خصوصا في الفترات التي شهدت ضعفا في الرقابة أو فساداً في إدارة الأصول.
بين التضليل والحقيقة
ورغم هذه التوضيحات، لا تزال بعض المخاوف قائمة. فالكشف عن أن عقاراً معيناً هو وقف قد يؤدي إلى إعادة تنظيم وضعه، مثل إعادة تقييم الإيجارات أو تعديل بعض العقود. ومع ذلك، تم التأكيد على أن من اشترى العقار بحسن نية ستبقى ملكيته مصونة، وأن المساءلة ستطال فقط من تورط في عمليات بيع مزورة.
الرهان لاستعادة الثقة
يبدو أن الهدف المعلن اليوم هو إعادة تنظيم ملف الأوقاف وتحقيق العدالة، خصوصا في ما يتعلق بالعقارات التي تم التصرف بها بطرق غير قانونية..
ومع ذلك، بقيت الأسئلة قائمة في الشارع: كيف يمكن إدارة ملف بهذا الحجم دون خلق مساحة للالتباس؟ وكيف يمكن استعادة الثقة وسط هذا التداخل بين التاريخ والقانون والإعلام؟
وكيف يمكن تصحيح الأخطاء التاريخية دون الإضرار بحقوق المالكين الحاليين؟
وفي ظل غياب حسم نهائي، يبقى ملف الأوقاف مفتوحاً على عدة سيناريوهات:
سجل تاريخي ممتد ..وبنية ملكية معقدة ..وأداة اقتصادية غير مستثمرة بالكامل ..ومجال صراع على تعريف الشرعية والحق.
لكن السؤال الأهم يبقى معلقاً، و يبقى الرهان على إدارة هذا الملف بحكمة: هل ستعيد الوزارة للوقف مكانته كأداة للمنفعة العامة… أم تبقى أسيرة سرديات متناقضة غامضة لا تنتهي؟


