أخبار
مواهب مشتتة وعدالة مسروقة..تسعون دقيقة لا تكفي لكرة القدم السورية
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢١ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٥٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لطالما تساءلتُ عن عشق درويش لكرة القدم. ما الذي وجده شاعر المنفى في مستطيل أخضر؟ وما الذي جعل كامو يقول إن أهم دروس الحياة تعلّمها من حراسة المرمى، وغاليانو يكتب عنها كما يكتب عن الثورة؟ ربما لأن الكرة هي المكان الوحيد الذي لا تنفع فيه الوساطة، حيث القانون واحد للجميع.
اليوم، وبينما تخوض ثمانية منتخبات عربية مغامرتها في كأس العالم على ملاعب أميركا وكندا والمكسيك، رقمٌ غير مسبوق في تاريخ البطولة، يبقى سؤال واحد معلّقاً بصمت بين كل سوري يتابع الشاشة: أين نحن من هذا المشهد؟ ليس لأن المونديال غايتنا اليوم، بل لأنه المرآة الأوضح لسؤال أعمق: لماذا تبقى كرة القدم عندنا حلماً فرديّاً متكرراً، بينما هي عند جيراننا مؤسسة تُبنى جيلاً بعد جيل؟
العدالة الرياضية المسروقة
سوريا التي أحب أبناؤها هذه اللعبة كما أحبّها درويش ومحفوظ، أُجبرت، خلال سنوات الانهيار الذي قاد إليه النظام السابق، أن تلعب على أرض غيرها. لم تُسرق منها المواهب فحسب، بل سُرقت منها بنية العدالة الرياضية ذاتها. اليوم، حين بدأت الملاعب السورية تستعيد أنفاسها شيئاً فشيئاً، عاد معها سؤال لم يطرحه أيٌّ من هؤلاء الثمانية، لأنه لم يكن سؤالهم. هو سؤالنا نحن: الملعب يعود، فهل يعود معه القانون الذي يحميه؟
موهبة موجودة ومنظومة غائبة
لا تصل الدول إلى كأس العالم بالموهبة وحدها. اليابان وكوريا الجنوبية والمغرب، نفسه الذي يخوض الآن مغامرته بين الثمانية العرب بأميركا، لم تبلغ ما بلغته بالصدفة، بل لأنها بنت خلف كل لاعب منظومة: أكاديميات تكتشف الموهبة في سنّ مبكرة، عقوداً تحمي مساره، لوائح تنظّم انتقالاته، واتحاداً مستقلاً يعمل بمعايير لا بولاءات. سوريا تملك الموهبة، لكنها لا تملك بعد القانون الذي يحوّل هذه الموهبة إلى مؤسسة.
سوريا اليوم ضمن الثمانينات عالمياً وفق آخر التصنيفات، وقد أنهت تصفيات كأس آسيا 2027 بنتائج إيجابية لافتة، حاجزة مقعدها رسمياً في نهائيات البطولة بالسعودية. الموهبة حاضرة، والنتائج الأخيرة تثبت ذلك، لكن السؤال ليس هل نملك لاعبين، بل هل نملك المنظومة التي تحوّل هذه الموهبة إلى نتائج مستدامة، لا إلى إنجازات متفرقة تنتظر الصدفة لتتكرر.
والمغرب نفسه لم يكن دائماً ما هو عليه اليوم. في 2009 كان في نقطة متراجعة، فقرر بناء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم. لكن الأكاديمية لم تكن وحدها السر، نجاح المغرب قام على ثلاثة أعمدة: الحوكمة الرشيدة، والاستثمار المالي، والكوادر البشرية المؤهلة. وكان أول هذه الأعمدة إصلاح البنية القانونية للاتحاد وإنشاء إدارة للرقابة المالية. القانون جاء أولاً، ثم جاءت البطولات، وها هو اليوم يخطف الأنظار في مونديال 2026 بينما لا تزال سوريا تبني الأساس الذي بدأ المغرب منه قبل سبعة عشر عاماً.
اللاعب بلا مظلة
كثيرون من لاعبي الكرة السوريين يصلون عند نهاية مسيرتهم إلى نفس المفارقة: حقوق مالية مُقرّة على الورق، بلا أي آلية فعلية لتحصيلها من النادي المُخالف. هذه ليست استثناءات متفرقة، بل عرض لخلل بنيوي واحد: لا توجد لائحة محلية تُنظِّم عقود الاحتراف، ولا آلية تدقيق دورية تتحقق من صحة ميزانيات الأندية وتعاقداتها، ولا حتى تعريف قانوني واضح لمن يحق له العمل كوكيل لاعبين داخل سوريا.
وهذه الفجوة ليست تقصيراً خفياً يحتاج كشفاً، هي معروفة لكل متابع جاد للشأن الرياضي المحلي. الإجراءات الرقابية، حين تُوجد أصلاً، غالباً ما تبقى شكلية لا فعلية، لأن غياب الإطار القانوني الواضح يجعل من المستحيل تطبيق رقابة حقيقية. وحين يغيب التدقيق الفعلي، يصبح العقد ورقة بلا قيمة تنفيذية، واللاعب وحده من يحمل المخاطرة.
والنتيجة المباشرة: عقد بلا ضمانة، ولاعب بلا وكيل مرخّص يحمي مصلحته، واتحاد يُطبّق ما يُفرض عليه دولياً من الفيفا من بعيد، دون أن يبني هو نفسه القواعد التي تحمي لاعبيه محلياً.
وحين أعلن الاتحاد السوري تغيير شعاره في مرحلة بناء سوريا الجديدة، وُصِف القرار رسمياً بأنه يمثّل نهاية المحسوبية والفساد في كرة القدم السورية، اعتراف صريح، حتى لو غير مباشر، بأن المرحلة السابقة بنت لعبتها على أساس قانوني غير سليم.
ما يقوله الفيفا
الفيفا لا يترك المسألة للتفسير. المادة 14 من نظامه الأساسي تُلزم كل اتحاد عضو بإدارة شؤونه باستقلالية تامة وضمان ألا تتأثر بأي طرف خارجي، بما في ذلك الحكومة. والمادة 15 تشترط أن يتضمن النظام الداخلي لكل اتحاد نصاً صريحاً على تجنّب أي شكل من أشكال التدخل السياسي. ليست توصية، هي شرط عضوية.
والكويت دفعت ثمن تجاهل هذا الشرط. علّقها الفيفا 782 يوماً بعد أن تدخّلت حكومتها في إدارة الاتحاد الكروي، وحين رُفع التعليق قال أحد لاعبيها الدوليين ما لم تقله الوثائق الرسمية: "السنتان قتلتا جيلاً كاملاً من الموهبة." لم يخسر الاتحاد إدارياً فحسب، خسر سنوات من التطوير لا تُعوَّض.
فُرصة قد لا تتكرر
سوريا اليوم أمام فرصة لا تتكرر، أن تبني اتحادها على أساس يحصّنه من الداخل. والتحصين لا يأتي بالنوايا بل بنص تشريعي واضح يضمن استقلالية الاتحاد ويجعلها التزاماً قانونياً لا منحة إدارية.
درويش سأل يوماً بعد أن انتهى المونديال وعاد مارادونا إلى بلاده: "ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟" كان يتساءل عمّا يفعله الناس حين يغيب البطل.
سوريا اليوم لا تحتاج بطلاً يغيب حين تنتهي المباراة، تحتاج منظومة تبقى حين يرحل الجميع. الملعب وحده لا يصنع كرة قدم، كما أن القصيدة وحدها لا تصنع أدباً. وراء كليهما بنية صامتة لا يراها أحد، لكنها السبب في أن تُقرأ القصيدة وتُحسم المباراة.
المسافة بين سوريا التي تلعب وسوريا التي تحلم بكأس العالم ليست في الملاعب، هي في النصوص القانونية التي لم تُكتب بعد.


