سوريا - اقتصاد
ترتيب سوريا بمؤشر الفساد.. رصد لمسارات التغيير ومطارح الإنجاز وعكسه
ر
رهام علي
نشر في: ١١ يونيو ٢٠٢٦، ١٤:٥٥
3 دقيقة
11

شهد مؤشر مدركات الفساد العالمي الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، تحسناً نسبياً في ترتيب سوريا، إذ حصدت 15 نقطة من أصل مئة، لتستقر في المرتبة 172عالمياً.
ورغم أن هذا الترتيب يضع البلاد ضمن القائمة الدولية الأشد تضرراً من منظومة الكسب غير المشروع، إلا أنه يحمل دلالات رمزية واعدة تعكس تغيراً في تقييمات الخبراء ومجتمع الأعمال بعد سقوط نظام الأسد وتفكيك بعض شبكات النفوذ العائلي والمؤسسي.
قراءة المؤشر
يقيس المؤشر السنوي انطباعات وتصورات قطاعات الأعمال والخبراء الدوليين حول مظاهر الرشوة، وتوظيف الأموال العامة في غير مصارفها الشرعية، واستغلال المناصب الرسمية، واستشراء البيروقراطية وغياب آليات حماية المبلغين.
وفي تصريح لـ "العين السورية"، يؤكد خبير الحوكمة والتطوير المؤسسي الدكتور محمد إياد الزعيم أن "هذا التحسن ليس مجرد تغيير طفيف، بل هو تحول نوعي ورمزي بالغ الأهمية يمثل تقدماً نسبياً يقارب 25 بالمئة في مدركات الخبراء"، معتبراً صدور التقرير بعد أشهر قليلة من تحرر البلاد بمثابة "شهادة دولية أولية على نجاح الإجراءات الرسمية في تفكيك بعض بؤر النفوذ القديمة واستعادة جزء من الثقة الدولية، كما يعطي المستثمرين والدبلوماسيين إشارة قوية تفيد بالانتقال من الانهيار التام إلى محاولة التعافي".
الجذور الهيكلية
لم يكن الفساد في سوريا وليد سنوات الحرب الأخيرة بل تشكل عبر عقود ممتدة منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ تأسست شبكات ولاءات احتكرت الثروة والسلطة وحولت الدولة إلى غنيمة تتقاسمها النخب التجارية والأمنية المقربة من النظام السابق. وفي هذا السياق، يوضح الدكتور الزعيم أن "الفساد الهيكلي لا يموت بسقوط رأس النظام لأنه تغلغل كالحمض النووي في بنية الدولة"، مبيناً أن "الاقتصاد السوري صُمم لعقود على مبدأ المحسوبية وترابط المصالح الاقتصادية بين النخبة التجارية والأجهزة الأمنية، وهي شبكات لا تُحل بمرسوم رئاسي لأنها تعشعش في العقود والتراخيص والإجراءات اليومية التي يديرها موظفون اعتادوا على التعطيل لكسب القوة"، ويستشهد الدكتور الزعيم بأبحاث معهد يو فور لمكافحة الفساد لعام 2026، ليؤكد أن الفساد يمر بدورة حياة في المراحل الانتقالية، إذ يتحول من شكله الكبير الذي تمارسه النخبة إلى شكل فساد صغير يمارسه الموظفون عبر الرشاوى. والأخطر من ذلك أنه يتكيف لينتقل من الفساد الشخصي إلى الفساد المؤسسي المقونن. منبهاً إلى الشاهد الحي من الداخل المتمثل في عدم حل معضلة الأجهزة الأمنية والاقتصادية القديمة، مما يعني أن "الفساد تحول إلى ثقافة تتطلب عملية عدالة انتقالية جذرية لتفكيكها".
آثار الحرب
أدت سنوات الحرب إلى تحول ممارسات الفساد إلى نهب منظم، إذ وثق المركز السوري للعدالة والمساءلة سيطرة أجهزة المخابرات سابقاً على توزيع المساعدات الإنسانية وتوظيفها لخدمة مصالح سياسية وعسكرية ضيقة. ومع الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار الحالية، تبرز مخاوف حقيقية من تحول البناء إلى نهب منظم للموارد في ظل غياب الضمانات الرقابية، وتتجسد هذه الممارسات في شواهد حية كشف عنها تحقيق استقصائي حول شبكة لتزوير أعمار اللاعبين في المنتخبات الوطنية بدأت منذ عهد حافظ الأسد، وإعلان الجهاز المركزي للرقابة المالية عن اختلاس تجاوز 3 مليارات ليرة في بلديات ريف دمشق.
التحول الرقمي
في السياق، يمثل التوجه نحو رقمنة الخدمات الحكومية والمناقصات العامة ركيزة أساسية لتقليص دور الموظف الوسيط الذي يعد المنبع الأول للمحسوبية والرشوة. وهنا يلفت الدكتور الزعيم إلى أن "طرح التحول الرقمي يعد الحل الوحيد الممكن لتجاوز مأزق الإصلاح الإداري"، مستنداً إلى ثلاث دعائم تبدأ من واقعية البدء مما هو متاح من كوادر شابة تمثل 64 بالمئة من السوريين تحت سن 23 عاماً والمتعطشة للاتصال بالعالم، والبدء الفعلي في شراكات استراتيجية فورية مثل التعاقد مع شركة إس تي سي السعودية لمد كابل ألياف ضوئية بقيمة 800 مليون دولار والشراكة مع شركة علم لتطوير البنية التحتية الرقمية للخدمات الحكومية، ويضيف الدكتور الزعيم أن "الرقمنة تعمل كدواء للبيروقراطية المريضة عبر إعادة هندسة الإجراءات وقطع يد الموظف الوسيط الذي يتحكم بالمعلومة والتوقيع ويعد المنبع الأساسي للفساد"، معتبراً منصة واجب الموحدة للشكاوى نموذجاً لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، كما يستعرض الدكتور الزعيم تفاصيل الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي الممتدة بين عامي 2025 و2030 والتي تعترف بالعوائق وتتدرج عبر ثلاث مراحل تشمل المرحلة التأسيسية لبناء البنية التحتية المركزية والتشريعات وتحديث مراكز البيانات، تليها المرحلة الانتقالية حتى عام 2027 لإطلاق خدمات تفاعلية تدريجية في القطاعات الحيوية كالصحة والعدل، وصولاً إلى المرحلة النهائية بحلول عام 2030 لتحقيق التكامل الكامل والحوكمة المبنية على البيانات.
استقلالية الرقابة
أيضاً، يتطلب بناء منظومة رقابية فعالة تحصيناً دستورياً وقانونياً يمنح الهيئة العليا لمكافحة الفساد استقلالية تامة عن السلطة التنفيذية، بحيث ترتبط مباشرة بالبرلمان وتخضع لآلية اختيار شفافة لأعضائها عبر توافق سياسي عريض. ويشرح الدكتور محمد إياد الزعيم أن ضمان هذه الاستقلالية "يستوجب درع حماية يتكون من التحصين القانوني، والتحصين المجتمعي المتمثل في تمكين الصحافة الاستقصائية وحماية المبلغين، والتحصين الدولي المؤقت عبر الشراكة الفنية مع جهات أممية لضمان عدم تحول الهيئة إلى سيف مسلط أو أداة للصراع السياسي بين الأطراف المختلفة".
الأموال المنهوبة
في المحصلة، تواجه جهود استرداد الأموال السورية المنهوبة في الخارج تعقيدات قانونية ومالية بالغة الصعوبة نتيجة إخفاء الأصول عبر شبكات معقدة من الشركات الوهمية والصناديق الائتمانية متعددة القارات. وفي هذا الشأن يقول الدكتور الزعيم "إن معركة استرداد الأموال هي ماراثون قانوني طويل يصطدم بثغرات الأنظمة المالية العالمية والسرية المصرفية في بعض الدول المتقدمة التي تيسر التدفقات غير المشروعة، مما يجعل مسار الصندوق السيادي الوطني معتمداً بالدرجة الأولى على مهارة التحقيق المشترك ومدى استعداد المجتمع الدولي لتغليب قيم العدالة على مصالح السرية المالية".


