سوريا - اقتصاد
من المطار إلى المواقع الأثرية والفنادق.. هل تستعيد تدمر مكانتها السياحية؟
جولة حكومية لتقييم متطلبات تشغيل مطار تدمر وتأهيل المواقع الأثرية والمنشآت الفندقية، بالتزامن مع ارتفاع أعداد الزوار إلى سوريا خلال النصف الأول من عام 2026.
ا
العين السورية
نشر في: ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٧:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
هل يكفي تأهيل المواقع الأثرية وإعادة تشغيل المطار لإعادة تدمر إلى خريطة السياحة الدولية، أم أن استعادة مكانة المدينة التاريخية تتطلب منظومة متكاملة من النقل والإقامة والخدمات والاستثمار؟ هذا ما تسعى الحكومة السورية إلى اختباره ميدانياً، عبر جولة مشتركة لتقييم جاهزية المدينة تمهيداً للموسم السياحي المقبل.
وشارك في الجولة، الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026، وزير السياحة مازن الصالحاني، ووزير الثقافة محمد ياسين الصالح، ورئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، ومحافظ حمص مرهف النعسان، بهدف بحث متطلبات إعادة تشغيل مطار تدمر، وتحديد احتياجات تأهيل المواقع الأثرية والمنشآت الفندقية والخدمات السياحية.
مطار تدمر.. بوابة الوصول إلى الوجهة التاريخية
استهل الوفد جولته من مطار تدمر، حيث اطّلع على وضعه الراهن ومتطلبات إعادة تأهيله وتشغيله، في خطوة تستهدف تحسين الوصول إلى المدينة وتوسيع خيارات الربط الجوي مع الوجهات السياحية السورية.
ويمثل المطار أحد المحاور المطروحة ضمن خطة إعادة تنشيط تدمر، إذ يمكن أن يسهم تشغيله، في حال استكمال متطلباته الفنية والتشغيلية، في تسهيل وصول الزوار وإدراج المدينة ضمن برامج الرحلات السياحية. لكن تحقيق هذه الغاية يرتبط بمدى جاهزية البنية التحتية، وتوافر الخدمات اللازمة لاستقبال المسافرين، فضلاً عن قدرة المنشآت السياحية على تلبية الطلب المتوقع.
وتتجاوز أهمية هذه الخطوة مجرد توفير وسيلة نقل إضافية؛ فسهولة الوصول إلى المواقع التاريخية عامل مؤثر في قرارات شركات السياحة ومنظمي الرحلات، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بوجهة تحتاج إلى تنسيق خدمات النقل والإقامة والزيارات ضمن برنامج واحد.
تأهيل المواقع الأثرية.. بين حماية التراث وتجربة الزائر
وشملت الجولة عدداً من أبرز معالم تدمر، بينها قوس النصر والشارع الطويل والمسرح الروماني ومعبد بل، للوقوف على احتياجات التأهيل وأولويات صون الإرث الحضاري للمدينة.
وتعكس مشاركة وزيري السياحة والثقافة توجهاً لربط حماية المواقع الأثرية بتطوير التجربة السياحية، بحيث لا تقتصر الجهود على الحفاظ على المعالم التاريخية، بل تشمل أيضاً تحسين ظروف زيارتها وتنظيم الحركة السياحية فيها وتوفير الخدمات المناسبة للزوار.
وقال وزير السياحة مازن الصالحاني إن إعادة تنشيط تدمر تتطلب العمل بالتوازي على مختلف مكونات التجربة السياحية، من المطار والمواقع الأثرية إلى الفنادق والخدمات، مؤكداً أن الهدف هو استقبال الزوار بتجربة متكاملة تليق بالمكانة العالمية للمدينة.
وأضاف أن عودة الحركة السياحية ينبغي أن تنعكس على فرص العمل والاستثمار والنشاط الاقتصادي لأبناء المنطقة، في إشارة إلى البعد التنموي الذي يمكن أن يرافق إعادة تأهيل المقصد السياحي.
غير أن ترجمة هذه الأهداف إلى نتائج فعلية ستتطلب تحديد أولويات واضحة للتأهيل، وتوفير التمويل اللازم، ومراعاة متطلبات حماية المواقع التاريخية عند تطوير الخدمات والبنية التحتية المحيطة بها.
الفنادق والخدمات.. الحلقة المكملة للتعافي السياحي
وامتدت الجولة إلى عدد من المنشآت الفندقية والسياحية، شملت فنادق تدمورا وسميراميس وقصر زنوبيا وديدمان، إلى جانب قصر الضيافة والركن البدوي وسوق الشرقيات، بهدف تقييم احتياجات إعادة التأهيل والتشغيل ورفع جاهزية مرافق الإقامة والضيافة والخدمات.
ويكشف إدراج هذه المنشآت ضمن الجولة عن اتساع نطاق التحرك الحكومي ليشمل ما يتجاوز المعالم الأثرية، وصولاً إلى العناصر التي تحدد قدرة المدينة على استقبال الزوار وإطالة مدة إقامتهم.
فعودة السياحة لا ترتبط بجاذبية الموقع التاريخي وحدها، بل تتأثر أيضاً بتوافر أماكن الإقامة المناسبة، وجودة الخدمات، وسهولة التنقل، وتنوع الأنشطة التي يمكن أن يمارسها الزائر. كما أن جاهزية المنشآت الفندقية والتجارية تمثل عاملاً أساسياً في تحويل الزيارات إلى إنفاق محلي وفرص عمل مستمرة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تحديد المنشآت القابلة لإعادة التشغيل سريعاً، وتقدير كلفة تأهيلها، وتوضيح فرص مشاركة القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل، وهي تفاصيل لم تتضمنها المعلومات المعلنة عن الجولة حتى الآن.
نمو أعداد الزوار يرفع سقف التوقعات
تأتي التحركات الحكومية في وقت تشير فيه البيانات إلى ارتفاع ملحوظ في حركة الزوار إلى سوريا. فقد استقبلت البلاد 3.52 ملايين زائر خلال النصف الأول من عام 2026، بزيادة بلغت 111% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفع عدد الزوار الأجانب بنسبة 448% والزوار العرب بنسبة 107%.
وتمنح هذه الأرقام تطوير الوجهات التاريخية أهمية اقتصادية إضافية، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول قدرة البنية التحتية والخدمات السياحية على استيعاب الطلب المتزايد، ومدى قدرة نمو أعداد الزوار على توليد إيرادات واستثمارات وفرص عمل تتجاوز النشاط الموسمي.
وكان الصالحاني قد توقع وصول عدد زوار سوريا إلى ما بين 30 و40 مليون زائر سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة. ويمثل هذا الرقم هدفاً طموحاً، يتطلب توسيع القدرة الاستيعابية للوجهات السياحية، وتحسين الربط الجوي والبري، وتطوير الخدمات، إلى جانب تعزيز ثقة منظمي الرحلات والمستثمرين.
لكن قياس التقدم نحو هذا الهدف لا يتوقف على أعداد الوافدين وحدها، بل يشمل أيضاً متوسط الإنفاق، ومدة الإقامة، ونسب إشغال الفنادق، وحجم الاستثمارات الجديدة، وحصة المجتمعات المحلية من العائد الاقتصادي.
من الجولة الميدانية إلى التنفيذ
تضع الجولة الحكومية تدمر ضمن مسار أوسع لتطوير السياحة السورية، يجمع بين تحسين الوصول إلى الوجهات، وصون المواقع الأثرية، وتأهيل منشآت الضيافة، وتحفيز الاستثمار في الخدمات السياحية.
وتكمن الفرصة الاقتصادية في تدمر في قدرتها على تحويل مكانتها التاريخية إلى نشاط سياحي مستدام، تستفيد منه الفنادق والمطاعم والنقل والحرف والأسواق المحلية. أما التحدي، فهو الانتقال من تقييم الجاهزية إلى استكمالها فعلياً، بما يضمن أن تكون عودة الزوار بداية لتعافٍ اقتصادي أوسع.


