سوريا - اقتصاد
بورصة دمشق دائرة استثمارية مُفرغة.. متى ستصبح خيار كبار وصغار المدخرين السوريين؟
خبراء ماليين يتحدثون لـ " العين السورية" عن خيارات الارتقاء بأداء السوق المالي
م
منير الرفاعي
نشر في: ٣٠ يونيو ٢٠٢٦، ١٠:٣٦
3 دقيقة

منذ انطلاقة سوق دمشق للأوراق المالية في عام 2009، وهي تطمح لأن تكون الشريان الحيوي الذي يغذي الاقتصاد الوطني، والمنصة التي تعيد تشكيل مفاهيم الاستثمار في سوريا. ومع اختتام عام 2025، تجد البورصة نفسها أمام محطة مفصلية؛ حيث تضم في هيكلها 27 شركة مدرجة، تتوزع بنسب متفاوتة بين 15 مصرفاً، و6 شركات تأمين، وشركتين لكل من قطاعات الزراعة والصناعة والاتصالات. وعلى الرغم من تنوع هذه القاعدة، إلا أن حجم التداول المسجل منذ التأسيس وحتى اليوم يشير إلى وجود تحديات هيكلية تفرض تساؤلات جوهرية حول كفاءة الأدوات المطبقة وجاذبية السوق للمستثمرين.
الحدود السعرية .. حماية أم تكبيل؟
تعتبر الحدود السعرية المطبقة حالياً بنسبة 5% ركيزة أساسية في أداء السوق. وفي هذا الصدد، يرى الدكتور خالد الحمدي، الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ " العين السورية"، أن هذه النسبة لعبت دور "صمام الأمان" في الأسواق الناشئة، حيث ساهمت في الحد من آثار الهلع الجماعي وتقلبات الأسعار الناتجة عن الشائعات. ومع ذلك، يؤكد الدكتور الحمدي أن هذه الحدود باتت، في ظروف السوق الراهنة، تعطل قوى العرض والطلب وتؤخر وصول السهم إلى قيمته العادلة، مقترحاً "الحل الوسط" المتمثل في التدرج نحو رفع هذه الحدود.
على الجانب الآخر، يقدم المحلل المالي عمار الأصيل قراءة أكثر صرامة، مشيراً في حديثه لـ " العين السورية"، إلى أن الحدود السعرية أثبتت عدم جدواها بعد أكثر من عقد من التطبيق، حيث أصبحت "حاجزاً" يحبس السيولة ويحرم المستثمر من الميزة الجوهرية للأسواق المالية، وهي "السيولة".
ويوضح الأصيل أن بقاء السهم عند حد الـ 5% صعوداً أو هبوطاً لأيام متتالية دون تنفيذ حقيقي أدى إلى "تآكل" أموال المستثمرين بدلاً من تنميتها، مما يضعف جاذبية السوق للتحليل الفني والمضاربة المهنية.
آليات التداول الحديثة
في خضم النقاش حول تطوير الأدوات، يبرز مقترح التحول إلى آلية التداول الفوري (T+0). وهنا، يؤيد الدكتور الحمدي هذه الخطوة من حيث المبدأ، شرط أن تكون تدريجية ومسبوقة ببنية تقنية ورقابية متطورة. ويحذر الحمدي من أن غياب الوعي المالي قد يحول هذه الآلية إلى وسيلة لاستنزاف رؤوس أموال الصغار عبر المضاربات العشوائية والعمولات المتكررة.
من جانبه، يرى المحلل عمار الأصيل أن التداول الفوري أداة قوية لإنعاش السيولة، لكنه يشترط لنجاحها تقليل عمولات التداول وإطالة وقت الجلسة. كما يشدد على أهمية رفع الحدود السعرية كخطوة موازية، فبدون مرونة في السعر، تظل أدوات التداول الفوري قاصرة عن تحقيق أهدافها في خلق سوق حيوي.
حماية المحفظة
في ظل الحديث عن زيادة مرونة التداول، يؤكد الخبير عمار الأصيل أن ممارسة البيع والشراء في نفس اليوم تتطلب انضباطاً صارماً لحماية المحفظة من مخاطر التقلبات الحادة. وتتلخص قواعد الحماية في: تفعيل أوامر "وقف الخسارة" (Stop-Loss) بشكل دائم، والالتزام بضبط النفس بعيداً عن العاطفة في حال عكس السهم اتجاهه، إضافة إلى تحديد حجم المركز المالي وعدم توظيف كامل السيولة في صفقة يومية واحدة. كما يشدد الأصيل على أهمية الاعتماد على التحليل الفني اللحظي، عبر مراقبة الأطر الزمنية الصغيرة (5 و15 دقيقة) ومؤشرات السيولة والزخم، لضمان مواءمة التداولات مع اتجاه السيولة العام بدلاً من السير عكس التيار.
خارطة الطريق نحو "الثقة الجمعية"
يتفق الخبراء على أن التحدي الحقيقي ليس في تغيير الأنظمة فحسب، بل في "بناء الثقة الجمعية" والوصول إلى حاله من اليقين الاقتصادي. ويؤكد الدكتور الحمدي أن الاقتصاد يبنى على فكرة، وأن نجاح بورصة دمشق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسياسة "الأبواب المفتوحة" التي يتبعها صناع القرار مع الخبراء الاقتصاديين.
أما الأصيل، فيرى أن التكنولوجيا هي البوابة الحقيقية لجذب الأجيال الشابة، مؤكداً أن سهولة الوصول عبر تطبيقات الموبايل وتيسير عمليات الإيداع والسحب ستخلق ديناميكية جديدة في السوق. وبينما يرى البعض أن الوعي المالي يجب أن يسبق التطوير، يجادل الأصيل بأن الخبرة تُكتسب غالباً من خلال "الاحتكاك المباشر" بالسوق، وإن كانت الخسائر القاسية جزءاً من مسار التعلم.
توزيع الحصص
بناءً على البيانات المنشورة على موقع سوق دمشق للأوراق المالية، نلاحظ وجود تمركز قطاعي مكثف في المصارف، مما يفرض ضرورة تبني استراتيجيات قطاعية متخصصة تستهدف تعزيز حضور قطاعات حيوية كالصناعة والزراعة لضمان استدامة النمو الاقتصادي للسوق. وفي ضوء هذه المعطيات، تتجه الرؤى التحليلية نحو تبني حزمة من التوصيات المتكاملة؛ تبدأ بمراجعة تدريجية للحدود السعرية وصولاً إلى نسبة 10%، وذلك بهدف تعزيز كفاءة اكتشاف الأسعار، مع استبدال الاعتماد الكلي على الحدود السعرية اليومية بآلية "إيقاف التداول المؤقت" للتعامل مع الأخبار الجوهرية العنيفة. وإلى جانب ذلك، تبرز الحاجة الملحة لتطوير البنية الرقمية للسوق من خلال تسريع إطلاق أدوات التداول الفوري (T+0) المدعومة بتطبيقات رقمية سهلة الاستخدام لجذب جيل الشباب، وهو تحول لا بد أن يترافق مع إطلاق برنامج وطني شامل للثقافة المالية يضمن تعزيز الرقابة ويوفر الحماية اللازمة لصغار المستثمرين في ظل بيئة تداول أكثر مرونة وانفتاحاً.
إن مستقبل سوق دمشق للأوراق المالية لا يتوقف عند تغيير نسبة مئوية أو إطلاق منصة تداول جديدة؛ بل في تحويلها إلى مؤسسة تعزز الثقة الوطنية وتدعم مسيرة إعادة الإعمار. إن وجود 27 شركة مدرجة يمثل قاعدة انطلاق واعدة، ولكن تحويل هذه القاعدة إلى محرك اقتصادي حقيقي يتطلب جرأة في القرار، ومرونة في الأداة، وشفافية في الرؤية. الاقتصاد السوري يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى سوق مال قوي، متطور، وقادر على تحويل المدخرات الوطنية إلى استثمارات فاعلة تبني غداً أفضل.


