سوريا - اقتصاد
بورصة دمشق بين سندان التحديات التنظيمية ومطرقة الواقع الإقليمي
ا
العين السورية
نشر في: ٢٤ مارس ٢٠٢٦، ٠٩:٤١عدل في: ٢٤ مارس ٢٠٢٦، ٠٩:٤١
3 دقيقة
0

تتجه الأنظار اليوم إلى سوق دمشق للأوراق المالية ليس فقط كمرآة للاقتصاد، بل كرافعة أساسية مفترضة لعملية إعادة الإعمار. إلا أن المشهد الحالي يعكس تبايناً حاداً بين الرؤى الاستثمارية والبيانات الرسمية، وسط تحديات تفرضها السيولة والظروف الجيوسياسية المحيطة.
غياب الإدراك لأهمية السوق يعيق إعادة الإعمار
في تحليل معمق لواقع السوق، يعتبر نائب رئيس مجلس النهضة السوري والمستثمر في السوق، فراس غريب، أن السوق تعاني منذ التحرير من "الإهمال وعدم إدراك أهمية الأسواق المالية في إعادة الإعمار".
وفي تصريح خاص لـ "العين السورية"، يشير غريب إلى أنه رغم كون أسواق المال هي المؤشر الأساسي للاقتصاد في دول العالم المتقدم، إلا أنها في سوريا "مهملة ولا تلقى الرعاية اللازمة بالحد الأدنى".
ويتوقف غريب عند محطات مفصلية أدت إلى تآكل ثقة المستثمر، بدأت بإغلاق السوق لستة أشهر "بدون مبررات واضحة" بحسب وصفه، ثم إعادة فتحه جزئياً مع "إيقاف العديد من الأسهم المحورية والأساسية بشكل لم يكن موجوداً من قبل".
ويضيف غريب أن السوق الذي انطلق بموجة تفاؤل واجه قرارات وصفها بـ "الصادمة"، مثل تعديل الحدود السعرية بنحو 20 ضعفاً، واستمرار "حبس السيولة للمستثمرين" حتى مع إصدار العملة الجديدة، مما أدى لتقلص الثقة وتراجع التوقعات الإيجابية. ويؤكد غريب أن "العوامل الخارجية يبقى تأثيرها محدوداً أمام الضغط الداخلي"، إذ يسيطر اتجاه البيع والمسار الهابط الذي بدأ حتى قبل اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة.
استقرار نسبي رغم "زلزال" 28 شباط
على المقلب الآخر، وفي تذكير بحديث سابق لـ "العين السورية" نُشر في 10 مارس 2026، تحت عنوان (سوق دمشق للأوراق المالية يحافظ على توازنه رغم التوترات الإقليمية)، قدم رئيس هيئة الأوراق والأسواق المالية، د. عبد الرزاق قاسم، قراءة تميل إلى الطمأنة. فبالرغم من التوترات الجيوسياسية الكبرى والمواجهة العسكرية التي اندلعت في 28 شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يرى قاسم أن السوق السورية أظهرت "استقراراً نسبياً".
وأرجع قاسم هذا الصمود إلى "خصوصية السوق المحلية وانخفاض درجة ارتباطها المباشر بالأسواق المالية العالمية"، مبيناً أن المؤشر العام بنهاية جلسة 9 آذار سجل تراجعاً طفيفاً بحدود 0.26% فقط مقارنة بما قبل اندلاع المواجهة. وأكد أيضاً أن العوامل المحلية، وعلى رأسها أداء قطاع المصارف الذي يشكل الثقل الأكبر في السوق، هي المحرك الحقيقي بعيداً عن ضجيج الأحداث الإقليمية.
طفرة "الصفقات الضخمة"
سجلت السوق قفزة استثنائية في جلسة 8 آذار الفائت، إذ تجاوزت قيمة التداول 125 مليون ليرة سورية جديدة. إلا أن التدقيق في هذا الرقم يظهر أنه نتج بشكل أساسي عن تنفيذ صفقة ضخمة واحدة تجاوزت قيمتها 115 مليون ليرة (بحجم 1.7 مليون سهم)، مما يعني أن النشاط الاعتيادي للسوق ظل محدوداً لولا هذه الصفقة. وفي هذه الجلسة، سجل سهم "بنك قطر الوطني" ارتفاعاً بنسبة 1.45%، بينما تراجع سهم "بنك البركة" بنسبة 1.78%.
انكماش السيولة وحذر المستثمرين
في السياق، تُظهر البيانات الرقمية المتتالية لجلسات منتصف 15-16-17 آذار انعكاساً مباشراً للتحديات التي أشار إليها المستثمر فراس غريب؛ إذ سجلت قيم التداول تراجعاً حاداً يشي بوضوح بانكماش حجم السيولة المتداولة وضعف القوة الشرائية:
• جلسة الأحد 15 آذار: سجلت قيم التداول نحو 7 ملايين ليرة جديدة.
• جلسة الإثنين 16 آذار: شهدت تراجعاً حاداً لتصل إلى ما يزيد قليلاً عن 2 مليون ليرة جديدة، مع هبوط أسعار أسهم قيادية مثل "بنك البركة" و"بنك قطر الوطني" بنسب تراوحت بين %1.09 و2.12%.
• جلسة الثلاثاء 17 آذار: استمر النزيف في قيم التداول لتصل إلى ما يقارب مليون ليرة جديدة فقط، توزعت على 60,226 سهماً من خلال 65 صفقة، وفقاً للنشرة اليومية الصادرة عن السوق.
هذا المسار التنازلي (من 7 ملايين إلى مليون واحد خلال 48 ساعة) يعكس حالة من "الترقب والجمود"، خاصة مع انعدام حركة التداول تماماً في جلسة الثلاثاء على أسهم قطاعات استراتيجية وحيوية (كالبنوك الإسلامية "سورية الدولي الإسلامي وبنك الشام"، والاتصالات "MTN"، وقطاع التأمين). هذه المؤشرات الرقمية تؤكد ما ذهب إليه فراس غريب حول أن "حبس السيولة" وغياب النشاط عن الأسهم المحورية لا يزال يمثل العائق الأكبر أمام تحول البورصة إلى محرك حقيقي لإعادة الإعمار، مما يعزز الحاجة لبيئة تنظيمية تعيد الثقة وتنشط التداول الخامد.
هل تكون البورصة قاطرة الإعمار؟
يختتم غريب تصريحه بوضع "رؤية وطنية" للحل، مشدداً على أن الاستدامة الحقيقية لا تأتي من "حفلات التبرعات"، بل بجعل سوق الأوراق المالية محوراً لإعادة الإعمار عبر "إطلاق شركات مساهمة جديدة تخصص لهذا الغرض وتطرح عبر البورصة".
وبين تفاؤل الجهات التنظيمية باستقرار المؤشرات، وبين تحذيرات المستثمرين من "حبس السيولة" والجمود، يبقى أداء الجلسات القادمة هو الفيصل. فهل ينجح السوق في جذب سيولة جديدة، أم سيبقى رهينة "الحذر والترقب" بانتظار بيئة تنظيمية أكثر مرونة؟


