سوريا - رأي
"بنوكٌ" لا يعرفها إلّا الفقراء
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ١٠ يوليو ٢٠٢٦، ٠٩:٣٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عند أطراف الحاويات، في ساعاتٍ لا ينتبه لها كثيرون، تنحني أجسادٌ تبحث بين ما رُمي عن شيءٍ ما زال له ثمن. فحين يُغلَق الطريق الاعتيادي إلى العيش الكريم، تنتقل الحاجة إلى هذا العيش نحو طرقٍ أخرى، غالباً أكثر قسوة.
هكذا يتحوّل ما نرميه يومياً إلى موردٍ لآخرين، ويصير الفقرُ أداةً لنبشِ الحاويات استجداءً للقمة العيش، وتتحول تلك الحاويات إلى بنوكٍ لا يعرفها إلا الفقراء.
أربعة عشر عاماً غيّرت وجه المدينة
أربعة عشر عاماً من حربٍ طويلة اعتمد فيها النظام السابق على سياسات ظلمٍ وقهرٍ وتجويعٍ، أنهكت اقتصاداً كاملاً، وأفقدت العملة قيمتها، وحوّلت آلاف الأسر من حياةٍ مستقرّةٍ إلى بحثٍ يوميٍّ عن أبسط مقوّماتِ العيش. تركت هذه السنوات وراءها بنيةً اقتصاديةً مهدَّمة، وفقراً انتقل من استثناءٍ نادر إلى واقعٍ يلامس أكثر من نصف السكان. ما نراه اليوم عند الحاويات ليس مشهداً طارئاً، بل أحد آثار هذا التراكم الاقتصادي الطويل.
ليست فئة بل سلسلة...
مع طول هذه السنوات، لم يبق من يقف عند الحاوية حالةً فرديّةً معزولة, تشكّلت حوله منظومة كاملة لها بنيتها الاقتصادية الخاصة. بعضهم كان حتّى وقتٍ قريبٍ صاحب مهنةٍ أو وظيفة، حتى أعجزه انهيار قيمة ما يقبضه عن تأمين أبسط حاجاته، فوجد نفسه يجمع ما يمكن بيعه من بقايا الآخرين، وأحياناً يخرج معه أحد أبنائه ليساعده، لأن العائلة حين تضيق بها سُبُل العيش تعمل بكامل أفرادها لا بفردٍ واحد. وبعضهم بدأ هذا العمل طفلًا، وكبر فيه حتى صار يعرف كل زاويةٍ تتجمّع فيها القمامة قبل أن تُرحَّل، وكل نقطةٍ تشتري ما يجمعه بسعرٍ أفضل.
الحكايات مختلفة، لكنها تصبّ في بنيةٍ واحدة: حلقة أولى تجمع، تليها حلقة تشتري بالقرب من المكب، ثم معملٌ يُعيد التذويب والتصنيع. وكما في أي سلسلة قيمة، تتفاوت العوائد بين حلقاتها: كل حلقة تكسب أكثر ممن قبلها، إلا الحلقة الأولى، التي تبذل أكبر الجهد بأقل عائد، وتبقى الأكثر عرضةً للمرض والاستغلال، لأنها وحدها التي تواجه القمامة وجهاً لوجه.
الفجوة القانونية...
من يقف عند الحاوية، بشكلٍ لافت، لا يحمل صفة قانونية محددة، فلا تصنيف مهني يحدّد عمله، ولا نقابة، ولا جهة رقابية معنية بظروفه. هذا لا يعني غياب القانون كاملاً. فقانون العمل رقم ١٧ لعام ٢٠١٠، إلى جانب قانون حقوق الطفل رقم ٢١ لعام ٢٠٢١، يُحدّد سنّ العمل الأدنى بخمسة عشر عاماً، ويحظر تشغيل من هم أصغر. لكنّ هذه الحماية مصممة لعلاقات عمل رسمية مسجَّلة، بينما يقع جمع النفايات وبيعها بالكامل خارج هذا التصنيف؛ فلا عقد، ولا صاحب عمل مسجَّل، ولا جهة تستطيع أن تفتش أو تحاسب. والنتيجة عملياً واحدة: طفلٌ يعمل بجانب أبيه أمام الحاوية بلا أي أثر قانوني يحميه، ليس لأن القانون يتجاهله، بل لأن نشاطه أصلاً لا يدخل تحت أي تصنيفٍ يستطيع القانون أن يطبّق عليه أحكامه.
التكلفة المضاعفة...
ما تخفيه الحاويات لا يبقى حبيس جدرانها، ولا تبقى تكلفته محصورة بمن يقف أمامها، ففي بعض الضواحي ومع بداية فصل الصيف، بدأ الحديث عن مرضٍ كان قد تراجع، وعاد يتفشّى مع أكوام القمامة المتراكمة بعد نبشها, وربما قبل. المرضُ خلافاً للفقر، لا يُفرّق بين من اضطر للبحث في القمامة وبين من يمرّ أو يعيش بجوارها.
هذه الحاويات مع الأكوام المنتشرة حولها تحكي عن الصحة التي ستضيع معها، وعن الفرص الضائعة في استثمار كل ما هو قابل للتدوير، فكلّ يومٍ يمرّ دون منظومة فرزٍ حقيقيّةٍ؛ تخسر فيه هذه المناطق فرصةً مضاعف؛ صحّة سكّانها من جهة، وموارد اقتصادية من جهةٍ أُخرى. وكلا الفرصتين في الأساس نتيجة إرثٍ فاسد من النظام السابق الذي ترك لنا فجوات متراكمة، وغياب قوانين تضع معايير السلامة التي تُقلّل الأمراض وتنظّم الاقتصاد الموازي بما يحفظ كرامة من يعمل فيه، ويحميه من الاستغلال.
لسنا حالة استثنائية...
هذه الفجوة، وإن كانت نتيجةً لعقودٍ طويلة من الفساد وأربعة عشر عاماً من الحرب التي أنهكت السوريين، فإنّها ليست استثنائية. فقد جرّبت دول أخرى خرجت من أزماتٍ اقتصادية أو نزاعات مشابهة نماذج تشريعية لإدماج هذا النوع من العمل غير الرسمي ضمن منظومة قانونية واضحة، بدل تركه في منطقة رمادية لا يحكمها نص. الخطوة الأولى في هذه النماذج غالباً تشريعية بحتة: نقل هذا النشاط من خانة "غير المصنَّف" إلى خانة "المهنة المعترف بها"، بما يسمح بإصدار تراخيص فردية أو جماعية لمن يعمل فيه، ويفتح الباب أمام تطبيق معايير السلامة المهنية والحد الأدنى لسن العمل عليه فعلياً، لا نظرياً فقط.
والخطوة الثانية مؤسساتية: تنظيم العاملين ضمن تعاونيات مرخصة تتعاقد بشكل رسمي مع البلديات أو شركات إعادة التدوير، فيتحول جمع النفايات من نشاطٍ فرديٍّ متفرّق إلى خدمةٍ منظّمة تدخل ضمن منظومة إدارة النفايات البلدية، وتُحتسب كجزءٍ من الناتج الاقتصادي الرسمي. ومع هذا الانتقال، تُتاح آليات حماية اجتماعية وتأمين صحّي لفئة كانت قبل ذلك بلا أي غطاء، لأن وجودها القانوني هو ما يتيح إدراجها أصلاً ضمن هذه الأنظمة.
النهاية التي نريدها
يُقاس نجاح أي مرحلةٍ جديدة بقدرتها على إعادة النظر في منظومتها التشريعية كاملة، بما يحمي الأكثر ضعفاً فيها. والملف القادم هنا واضح المعالم: تصنيفٌ قانوني لهذا النوع من العمل يخرجه من خانة "غير المصنَّف"، حدٌّ يحمي الأطفال من دخوله أصلاً، وتعاونياتٌ مرخصة تربط من يعمل عند الحاوية بمنظومة إدارة النفايات الرسمية، ورقابة بيئية تطال سلسلته كاملة من الحاوية إلى معمل التذويب. وحين يتوفر هذا الإطار، تنتقل الحاوية من مصدر رزقٍ قسريّ إلى نشاطٍ منظّم يحفظ كرامة من يعمل فيه.