سوريا - اقتصاد
منافسة غير متكافئة تهدد مصانع السيراميك السورية بالإغلاق
صناعيون يحذّرون عبر «العين السورية» من إغلاقات تهدد آلاف الوظائف، وخبير يدعو إلى خفض تكاليف الطاقة وحماية الإنتاج المحلي مع إبقاء باب الاستيراد مفتوحاً.
ن
نورا حربا
نشر في: ٤ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٦:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
تتزايد الصعوبات التي تواجه الصناعة الوطنية عموماً، وصناعة السيراميك والأدوات الصحية خصوصاً، مع ارتفاع أسعار حوامل الطاقة واشتداد المنافسة مع المنتجات المستوردة.
فبينما يتحمل المنتج المحلي تكاليف إنتاج مرتفعة في ظل غياب الدعم، تدخل إلى الأسواق السورية منتجات مستوردة تحظى، بحسب صناعيين، بمزايا ودعم في بلدان المنشأ، ما يضع المصانع المحلية أمام منافسة غير متكافئة.
وأمام هذا الواقع، يجد صناعيو السيراميك والأدوات الصحية أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: مواصلة الإنتاج وتحمل خسائر متزايدة، أو إغلاق معاملهم وتسريح آلاف العمال من أصحاب الخبرة والمهارة.
معاناة سبقت المرحلة الحالية
لا تعود معاناة مصانع السيراميك والأدوات الصحية إلى المرحلة الحالية، بل تمتد إلى سنوات سبقت التحرير. فالمعامل التي تعتمد على الغاز السائل بدأت تواجه صعوبات متزايدة مع ارتفاع تكلفته، فيما لم تكن المنافسة مع المستوردات أمراً جديداً.
وشكّلت المنتجات العربية المشابهة تحدياً للصناعة المحلية، نتيجة دخولها إلى الأسواق السورية دون رسوم جمركية، تنفيذاً لاتفاقية التجارة الحرة العربية.
وأمام مطالب الصناعيين آنذاك، اقتصرت المعالجة على فرض رسوم حماية على واردات السيراميك والأدوات الصحية، ما ساعد على إبقاء المنتج المحلي قادراً على المنافسة والاستمرار في الإنتاج.
معامل تتوقف ومهارات مهددة بالخسارة
لكن المشهد أصبح اليوم أكثر صعوبة، مع اتساع المنافسة وفتح باب الاستيراد، وفق ما يؤكده الصناعي محمد أورفه لي، رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها، في حديث خاص لـ«العين السورية».
ويشير أورفه لي إلى أن هذه الظروف بدأت تنعكس على استمرارية عدد من المعامل، مع تسجيل حالات إغلاق متتالية لمصانع لم تعد قادرة على تحمل الخسائر، ما يهدد بتسريح آلاف العمال المهرة وذوي الخبرة، فضلاً عن تراجع الطاقة الإنتاجية المحلية.
تكاليف مرتفعة ومزايا متفاوتة
يعزو أورفه لي جانباً أساسياً من المشكلة إلى تفاوت ظروف الإنتاج بين المنتج المحلي والمستورد. ويوضح أن المنتجات القادمة من الخارج تحظى بدعم ومزايا في بلدان المنشأ، تبدأ من أسعار حوامل الطاقة، مروراً بالإعفاءات والتسهيلات التي تقدمها الجهات المعنية بالصناعة، وصولاً إلى التسهيلات الضريبية.
في المقابل، يواجه المنتج السوري ارتفاعاً في أسعار حوامل الطاقة وغياباً للدعم، إلى جانب تعقيدات وصعوبات ترافق مراحل الإنتاج، ومحدودية أسواق التصريف.
ويضيف أن الأعباء تشمل أيضاً الرسوم المفروضة على مستوردات المواد الأولية اللازمة للمصانع، في حين تُعفى هذه المواد في دول عديدة بهدف تشجيع الصناعة، فضلاً عن الرسوم المرتفعة التي تتقاضاها المؤسسة العامة للجيولوجيا على المتر المكعب من المواد الأولية المستخرجة.
الجودة أم فارق الأسعار؟
ورداً على اتهامات بتدني جودة منتجات السيراميك والأدوات الصحية المحلية مقارنة بالمستوردة، يرى "أورفه لي" أن هذه المقاربة غير دقيقة، مستشهداً بإشادات من شركات عريقة متخصصة في الجودة بالمنتج السوري، وبحصول شركة «بلقيس للسيراميك» خلال العام الماضي على جائزة أفضل منتج كيميائي.
ويؤكد أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بجودة المنتج المحلي بقدر ارتباطها بفارق الأسعار؛ إذ أصبحت بعض المنتجات المستوردة أقل كلفة من نظيرتها المحلية.
ويصف واقع السوق بأنه أقرب إلى حالة «شبه إغراق» بمنتجات السيراميك والأدوات الصحية المستوردة، ما ينعكس سلباً على قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.
حماية الإنتاج وحقوق المستهلك
يوضح أورفه لي أن المطالبة بإجراءات حماية ودعم للصناعة لا تعني تفضيل الصناعي على حساب المستهلك، بل تستهدف ضمان استمرار الإنتاج وبقاء المعامل التي توفر آلاف فرص العمل.
ويضرب مثالاً بأن بعض الدول تمنح صناعييها تسهيلات تمويلية كبيرة، عبر تمويل عمليات التصدير وإتاحة فترات سداد للمستوردين قد تتجاوز السنة، ما يسمح للمنتج الأجنبي بدخول الأسواق الخارجية بشروط لا يستطيع الصناعي السوري مجاراتها، في ظل التزاماته اليومية ورواتب العمال الشهرية وتكاليف التشغيل المستمرة.
ويشير إلى أن هذه الظروف انعكست على معنويات الصناعيين وقدرتهم على مواصلة الإنتاج، ولا سيما مع دخول منتجات من معامل أفلست أو استعادت تكاليفها الثابتة في بلدانها، وأصبحت، بحسب وصفه، تبيع وفق تكاليفها المتغيرة فقط، ما يتيح لها طرح منتجات بأسعار منخفضة يصعب على المصانع السورية منافستها.
وبحسب أورفه لي، فإن استمرار هذه الظروف يضع مزيداً من المعامل الوطنية أمام مخاطر الإغلاق والإفلاس، مع تراجع قدرتها على تحمل الخسائر ومواجهة المنافسة.
الدعم بدلاً من منع الاستيراد
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الأمين، في حديثه لـ«العين السورية»، أن دعم الصناعة الوطنية عموماً، ومعامل السيراميك والأدوات الصحية خصوصاً، بات ضرورة في ظل التحديات الحالية، مشيراً إلى أن الاقتصاد السليم يقوم على دعم الإنتاج المحلي والحد من الاعتماد على المستوردات.
ويؤكد أن إغلاق معامل صناعية كبيرة وتسريح آلاف العمال لا يمثل خسارة للصناعيين وحدهم، بل يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية، في وقت لا يمكن فيه معالجة المشكلة بمنع الاستيراد، خصوصاً مع التوجه نحو اقتصاد حر ومفتوح.
ويرى أن المعالجة يمكن أن تتم عبر فرض رسوم حماية على المنتجات المستوردة، بما يتيح للمنتج المحلي المنافسة، بالتوازي مع دعم الإنتاج، وتأمين حوامل الطاقة بأسعار مناسبة، ومنح مزايا وتسهيلات للصناعة الوطنية.
كما يدعو إلى الاستفادة من العلاقات الدولية التي تشهدها سوريا حالياً لفتح أسواق خارجية أمام المنتجات المحلية.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج واتساع المنافسة مع المستوردات، تبقى مصانع السيراميك والأدوات الصحية أمام تحدي الاستمرار في سوق يصف الصناعيون شروط المنافسة فيه بأنها غير متكافئة.
ولا تقتصر تداعيات تعثر هذه المصانع على أصحابها، بل تمتد إلى العمال وسوق العمل والإنتاج المحلي. ويبقى السؤال: ما الإجراءات التي يمكن أن توازن بين حماية الصناعة الوطنية والحفاظ على المنافسة والأسعار التي يتحملها المستهلك؟
فبينما يتحمل المنتج المحلي تكاليف إنتاج مرتفعة في ظل غياب الدعم، تدخل إلى الأسواق السورية منتجات مستوردة تحظى، بحسب صناعيين، بمزايا ودعم في بلدان المنشأ، ما يضع المصانع المحلية أمام منافسة غير متكافئة.
وأمام هذا الواقع، يجد صناعيو السيراميك والأدوات الصحية أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: مواصلة الإنتاج وتحمل خسائر متزايدة، أو إغلاق معاملهم وتسريح آلاف العمال من أصحاب الخبرة والمهارة.
معاناة سبقت المرحلة الحالية
لا تعود معاناة مصانع السيراميك والأدوات الصحية إلى المرحلة الحالية، بل تمتد إلى سنوات سبقت التحرير. فالمعامل التي تعتمد على الغاز السائل بدأت تواجه صعوبات متزايدة مع ارتفاع تكلفته، فيما لم تكن المنافسة مع المستوردات أمراً جديداً.
وشكّلت المنتجات العربية المشابهة تحدياً للصناعة المحلية، نتيجة دخولها إلى الأسواق السورية دون رسوم جمركية، تنفيذاً لاتفاقية التجارة الحرة العربية.
وأمام مطالب الصناعيين آنذاك، اقتصرت المعالجة على فرض رسوم حماية على واردات السيراميك والأدوات الصحية، ما ساعد على إبقاء المنتج المحلي قادراً على المنافسة والاستمرار في الإنتاج.
معامل تتوقف ومهارات مهددة بالخسارة
لكن المشهد أصبح اليوم أكثر صعوبة، مع اتساع المنافسة وفتح باب الاستيراد، وفق ما يؤكده الصناعي محمد أورفه لي، رئيس لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها، في حديث خاص لـ«العين السورية».
ويشير أورفه لي إلى أن هذه الظروف بدأت تنعكس على استمرارية عدد من المعامل، مع تسجيل حالات إغلاق متتالية لمصانع لم تعد قادرة على تحمل الخسائر، ما يهدد بتسريح آلاف العمال المهرة وذوي الخبرة، فضلاً عن تراجع الطاقة الإنتاجية المحلية.
تكاليف مرتفعة ومزايا متفاوتة
يعزو أورفه لي جانباً أساسياً من المشكلة إلى تفاوت ظروف الإنتاج بين المنتج المحلي والمستورد. ويوضح أن المنتجات القادمة من الخارج تحظى بدعم ومزايا في بلدان المنشأ، تبدأ من أسعار حوامل الطاقة، مروراً بالإعفاءات والتسهيلات التي تقدمها الجهات المعنية بالصناعة، وصولاً إلى التسهيلات الضريبية.
في المقابل، يواجه المنتج السوري ارتفاعاً في أسعار حوامل الطاقة وغياباً للدعم، إلى جانب تعقيدات وصعوبات ترافق مراحل الإنتاج، ومحدودية أسواق التصريف.
ويضيف أن الأعباء تشمل أيضاً الرسوم المفروضة على مستوردات المواد الأولية اللازمة للمصانع، في حين تُعفى هذه المواد في دول عديدة بهدف تشجيع الصناعة، فضلاً عن الرسوم المرتفعة التي تتقاضاها المؤسسة العامة للجيولوجيا على المتر المكعب من المواد الأولية المستخرجة.
الجودة أم فارق الأسعار؟
ورداً على اتهامات بتدني جودة منتجات السيراميك والأدوات الصحية المحلية مقارنة بالمستوردة، يرى "أورفه لي" أن هذه المقاربة غير دقيقة، مستشهداً بإشادات من شركات عريقة متخصصة في الجودة بالمنتج السوري، وبحصول شركة «بلقيس للسيراميك» خلال العام الماضي على جائزة أفضل منتج كيميائي.
ويؤكد أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بجودة المنتج المحلي بقدر ارتباطها بفارق الأسعار؛ إذ أصبحت بعض المنتجات المستوردة أقل كلفة من نظيرتها المحلية.
ويصف واقع السوق بأنه أقرب إلى حالة «شبه إغراق» بمنتجات السيراميك والأدوات الصحية المستوردة، ما ينعكس سلباً على قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.
حماية الإنتاج وحقوق المستهلك
يوضح أورفه لي أن المطالبة بإجراءات حماية ودعم للصناعة لا تعني تفضيل الصناعي على حساب المستهلك، بل تستهدف ضمان استمرار الإنتاج وبقاء المعامل التي توفر آلاف فرص العمل.
ويضرب مثالاً بأن بعض الدول تمنح صناعييها تسهيلات تمويلية كبيرة، عبر تمويل عمليات التصدير وإتاحة فترات سداد للمستوردين قد تتجاوز السنة، ما يسمح للمنتج الأجنبي بدخول الأسواق الخارجية بشروط لا يستطيع الصناعي السوري مجاراتها، في ظل التزاماته اليومية ورواتب العمال الشهرية وتكاليف التشغيل المستمرة.
ويشير إلى أن هذه الظروف انعكست على معنويات الصناعيين وقدرتهم على مواصلة الإنتاج، ولا سيما مع دخول منتجات من معامل أفلست أو استعادت تكاليفها الثابتة في بلدانها، وأصبحت، بحسب وصفه، تبيع وفق تكاليفها المتغيرة فقط، ما يتيح لها طرح منتجات بأسعار منخفضة يصعب على المصانع السورية منافستها.
وبحسب أورفه لي، فإن استمرار هذه الظروف يضع مزيداً من المعامل الوطنية أمام مخاطر الإغلاق والإفلاس، مع تراجع قدرتها على تحمل الخسائر ومواجهة المنافسة.
الدعم بدلاً من منع الاستيراد
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الأمين، في حديثه لـ«العين السورية»، أن دعم الصناعة الوطنية عموماً، ومعامل السيراميك والأدوات الصحية خصوصاً، بات ضرورة في ظل التحديات الحالية، مشيراً إلى أن الاقتصاد السليم يقوم على دعم الإنتاج المحلي والحد من الاعتماد على المستوردات.
ويؤكد أن إغلاق معامل صناعية كبيرة وتسريح آلاف العمال لا يمثل خسارة للصناعيين وحدهم، بل يحمل تداعيات اقتصادية واجتماعية، في وقت لا يمكن فيه معالجة المشكلة بمنع الاستيراد، خصوصاً مع التوجه نحو اقتصاد حر ومفتوح.
ويرى أن المعالجة يمكن أن تتم عبر فرض رسوم حماية على المنتجات المستوردة، بما يتيح للمنتج المحلي المنافسة، بالتوازي مع دعم الإنتاج، وتأمين حوامل الطاقة بأسعار مناسبة، ومنح مزايا وتسهيلات للصناعة الوطنية.
كما يدعو إلى الاستفادة من العلاقات الدولية التي تشهدها سوريا حالياً لفتح أسواق خارجية أمام المنتجات المحلية.
وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج واتساع المنافسة مع المستوردات، تبقى مصانع السيراميك والأدوات الصحية أمام تحدي الاستمرار في سوق يصف الصناعيون شروط المنافسة فيه بأنها غير متكافئة.
ولا تقتصر تداعيات تعثر هذه المصانع على أصحابها، بل تمتد إلى العمال وسوق العمل والإنتاج المحلي. ويبقى السؤال: ما الإجراءات التي يمكن أن توازن بين حماية الصناعة الوطنية والحفاظ على المنافسة والأسعار التي يتحملها المستهلك؟


