سوريا - اقتصاد
اقتصاد حرّ في بيئة لم تكتمل بعد.. المستهلك السوري حلقة هشّة في زمن التحوّل !
ن
نورا حربا
نشر في: ١ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٤٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

مع توجه سوريا نحو توسيع مساحة الاقتصاد الحر وتعزيز دور القطاع الخاص، يبرز ملف ضبط الأسعار باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسواق المحلية.
ففي الوقت الذي يقوم فيه الاقتصاد الحر على مبدأ العرض والطلب والمنافسة، يبقى دور الدولة أساسياً في منع الاحتكار وحماية المستهلك وضمان بيئة تجارية عادلة.
ويؤكد خبراء في الاقتصاد، في حديثهم لـ"العين السورية"، أن الانتقال إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً لا يعني التخلي عن الرقابة على الأسواق، بل تغيير طبيعتها. فبدلاً من فرض الأسعار بشكل مباشر، يتركز الدور على مراقبة المنافسة، ومنع الاحتكار، وضبط جودة السلع، وضمان شفافية التسعير والإعلان عنه.
الأسعار بين العرض والطلب
تتأثر الأسعار في السوق السورية بعوامل عدة، أبرزها تكاليف الإنتاج، وأسعار المواد الأولية، وسعر الصرف، وتكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى حجم العرض والطلب. ويرى اقتصاديون أن أي محاولة لتثبيت الأسعار إدارياً دون معالجة أسباب ارتفاعها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تراجع المعروض أو توسع السوق غير النظامية.
رقابة بعيداً عن التسعير
يؤكد غياث بكور، مدير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في محافظة دمشق، في حديثه لـ"العين السورية"، أن دور المديرية في ظل اقتصاد السوق الحر لا يتمثل في فرض تسعير إداري مباشر، وإنما في ترسيخ قواعد المنافسة العادلة وضمان شفافية التعاملات التجارية، من خلال إلزام الفعاليات التجارية بالإعلان عن الأسعار وتداول الفواتير النظامية، ومكافحة الاحتكار والربح الفاحش.
وأضاف أن الإعلان الواضح عن الأسعار وتداول الفواتير يتيحان للمستهلك المقارنة بين الأسعار ويحفزان المنافسة بين التجار، مشيراً إلى استمرار الجولات الرقابية اليومية، مع التركيز على سلامة الأغذية والمواد سريعة التلف، وسحب عينات دورية للتأكد من مطابقتها للمواصفات، وتنظيم الضبوط بحق المخالفين، إلى جانب نشر برامج توعوية وتشجيع المواطنين على الإبلاغ عن المخالفات.
اقتصاد السوق يحتاج إلى مقومات
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عمار يوسف أن الحديث عن انتقال سوريا إلى اقتصاد السوق الحر لا يزال غير مكتمل، لأن الاقتصاد السوري ما زال، بحسب وصفه، "غير واضح المعالم"، إذ يجمع بين جوانب من الاقتصاد الاشتراكي والاقتصاد الحر والاقتصاد الاجتماعي، من دون وجود رؤية اقتصادية واضحة تحدد شكل هذا التحول.
ويشير يوسف في حديث مع " العين السورية"، إلى أن المشكلة لا تكمن في تحرير الأسعار بحد ذاته، وإنما في غياب المقومات الأساسية لاقتصاد السوق، وفي مقدمتها استقرار سعر الصرف، وتحسين مستوى دخل المواطنين، ووجود أجهزة رقابية فعالة وذكية قادرة على منع الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
ويضيف يوسف، أن أسعار السلع ترتفع مع كل ارتفاع في سعر الصرف، لكنها لا تنخفض عند تحسنه، بالتزامن مع الزيادات المتكررة في أسعار الطاقة والمحروقات، ما يؤدي إلى استمرار الضغوط على الأسواق وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. ويرى أن متوسط الأجور الحالي لا يتناسب مع تكاليف المعيشة، الأمر الذي يجعل تحقيق التوازن بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية أمراً بالغ الصعوبة.
ويؤكد يوسف أن اقتصاد السوق لا يعني تحرير الأسعار فقط، بل يتطلب أيضاً تعزيز المنافسة، ودعم المنتج الوطني، وإرساء رقابة اقتصادية حديثة تضمن الشفافية وتحمي المستهلك، معتبراً أن أي تحول حقيقي نحو اقتصاد السوق يحتاج إلى خطة تدريجية واضحة تمتد على المدى المتوسط، وتقوم على استقرار السياسات الاقتصادية والنقدية وتحسين البيئة الإنتاجية.
انفلات سعري في الأسواق
في المقابل، يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في الحد من حالة الانفلات السعري، مرجعاً ذلك إلى انتشار التعامل بالدولار، وتراجع القوة الشرائية لليرة السورية، إضافة إلى تطبيق تحرير الأسعار بصورة مباشرة دون مرحلة انتقالية.
ويؤكد أن الانتقال إلى اقتصاد السوق كان يستوجب اعتماد صيغة وسطية بين التسعير الإداري وتحرير الأسعار، عبر وضع أسعار استرشادية تمنح المستهلك مرجعاً لمعرفة السعر الحقيقي للسلعة، وتساعد الجهات الرقابية على تقييم مدى المغالاة في الأسعار.
فجوة في أدوات الرقابة
ويشير حبزة، إلى أن مراقب التموين لا يمتلك في كثير من الحالات الأدوات القانونية الكافية للتدخل، طالما أن السعر معلن من قبل التاجر، حتى وإن كان مبالغاً فيه، في ظل غياب معايير استرشادية للأسعار. كما يلفت إلى أن جمعية حماية المستهلك تتلقى شكاوى يومية من المواطنين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنها تفتقر إلى صفة الضابطة العدلية، ما يجعل دورها يقتصر على الرصد والتوثيق، مؤكداً أنها مستمرة في أداء دورها التوعوي ضمن الإمكانات المتاحة.
دعوات لتعزيز المنافسة
لكن بكور، يؤكد أن دور مديريات التجارة الداخلية يتركز في ضمان الالتزام بالقوانين وحماية المستهلك من الغش والاحتكار، بينما يرى حبزة أن المنافسة الحقيقية ما زالت محدودة، وأن بعض التجار استغلوا تحرير الأسعار لتحقيق أرباح مبالغ فيها.
ويدعو حبزة إلى تفعيل دور مؤسسات الدولة التي كانت تعنى بالتدخل الإيجابي، وعلى رأسها المؤسسة السورية للتجارة، بعد تطوير أدائها، لتكون شريكاً في الاستيراد والتسويق وتأمين السلع الأساسية، بما يسهم في تحقيق التوازن داخل الأسواق والحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.
حماية المستهلك... مسؤولية مشتركة
ورغم اختلاف وجهات النظر حول آليات ضبط الأسعار، يتفق الخبراء على أن نجاح اقتصاد السوق لا يتحقق بمجرد تحرير الأسعار، وإنما بوجود بيئة تنافسية عادلة، ورقابة فعالة، وسياسات اقتصادية مستقرة، إلى جانب تحسين القدرة الشرائية للمواطن. وبينما ترى مديرية التجارة الداخلية أن تنظيم السوق والرقابة على الالتزام بالقوانين يمثلان الأساس لنجاح اقتصاد السوق، تؤكد جمعية حماية المستهلك ضرورة توفير أدوات أكثر فاعلية لضبط الأسعار، فيما يشدد الدكتور عمار يوسف على أن استقرار سعر الصرف، ودعم الإنتاج الوطني، وتحسين مستوى المعيشة، تمثل جميعها شروطاً أساسية لتحقيق التوازن بين حرية السوق والعدالة الاجتماعية.


