سوريا - محليات
المرض يعصف بسوق " الشفاء" السورية.. إسعاف سريع بانتظار هيئة الغذاء والدواء
ا
العين السورية - نورا حربا
نشر في: ٦ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٤٣
3 دقيقة

يرى متابعون لواقع الدواء السوري أن السوق يعيش حالة من الفوضى، بدءاً من غياب بعض الأصناف نتيجة توقف عدة معامل وطنية، ومروراً بتواجد كثيف للدواء الأجنبي المهرب، وليس انتهاءً بالأسعار التي سجلت ارتفاعاً كبيراً دون مبررات حقيقية، ناهيك عن التفاوت بالأسعار، فكل صيدلية تضع الأسعار التي تريد دون وازع أو رقيب، لتبدأ مجموعة من التساؤلات حول الدور الرقابي على الدواء وماهية الجهات المعنية بهذا الدور الهام، خاصة أنه متعلق بصحة السوريين.
هيئة الدواء
تعتزم وزارة الصحة السورية تأسيس "هيئة للدواء" على غرار هيئة الغذاء والدواء الأردنية، بهدف تنظيم القطاع الدوائي وتعزيز الرقابة عليه وفق معايير دولية.
وقال المشرف العام على مديريات الدواء في وزارة الصحة، هاني بغدادي، إن عمل الهيئة لن يقتصر على وضع نظام داخلي فحسب، بل سيعتمد معايير محددة تنسجم مع متطلبات منظمة الصحة العالمية.
وأضاف بغدادي في تصريح لـ " العين السورية" أن شهر أيلول المقبل قد يشهد توسعاً في هذا الملف من خلال عقد اتفاقيات مع أكثر من جهة، بما يتيح الحصول على الدعم المادي اللازم لإنشاء الهيئة.
وأشار إلى أن النقاشات مع وفد أردني زار دمشق مؤخراً تناولت ملفات التسجيل الدوائي، سواء للأدوية المحلية أو المستوردة، ومراقبة الأدوية بعد طرحها في الأسواق، ومخابر الرقابة واعتماديتها، إضافة إلى ملفات الجودة والتحليل.
رقابة
من جانبه، كشف مدير صحة ريف دمشق، الدكتور توفيق حسابا، أن الرقابة على الدواء لم تتوقف، وهي مستمرة على قدم وساق، لافتاً إلى أنه وفي إطار متابعة دور الرقابة الدوائية وتعزيز الالتزام بالأنظمة الصحية، قامت لجنة القرار رقم /29/ ت في مديرية صحة ريف دمشق بجولة رقابية على عدد من الصيدليات في مناطق جرمانا، المليحة، عقربا، وبيت سحم، وذلك بمشاركة نقيب صيادلة ريف دمشق.
ضبط
وهدفت الجولة، وفق الدكتور حسابا في حديثه مع " العين السورية"، إلى التأكد من تواجد الزملاء الصيادلة على رأس عملهم، وضبط المخالفات المتعلقة بوجود أشخاص غير مؤهلين لمزاولة المهنة، إضافة إلى الكشف عن الأدوية غير النظامية ومصادرتها، والتدقيق على توفر حليب الأطفال النظامي، ومصادرة الأنواع مجهولة المصدر، حرصاً على سلامة المواطنين وصحتهم.
جولات
ويؤكد مدير صحة ريف دمشق استمرار تنفيذ الجولات الرقابية الدورية على الصيدليات والمؤسسات الصحية، كما شدد على الدور المهم للأخوة المواطنين في الإبلاغ عن أي شكاوى تتعلق بالصيدليات، والخدمات المقدمة، وتوافر الأدوية وأغذية الأطفال، لما لذلك من أثر مباشر في تعزيز الرقابة وحماية الصحة العامة.
تقييم فاعلية
من جانبها، تجزم عميدة كلية الصيدلة في جامعة دمشق، الدكتورة هند الزين، أن تعزيز منظومة الرقابة على الدواء يعتبر هاجساً بالنسبة لجميع الجهات المعنية بواقع الدواء، منوهة أن إجراء دراسات التكافؤ الحيوي تشكل ضمانة حقيقية لتقييم فاعلية الأدوية وسلامتها، حيث تعدّ إجراءً مهماً ينبغي على كل الشركات الدوائية اعتماده قبل طرح منتجاتها في الأسواق؛ لضمان مطابقة المستحضر محلي الصنع مع المستحضرات العالمية من حيث الكفاءة الحيوية والعلاجية، مبينة أن دقة هذه الدراسات تحمي المريض من الآثار الجانبية والضارة، وتضمن حصوله على أفضل النتائج العلاجية.
معايير علمية
كما أشادت الزين بالخطوات التي قطعتها شركات الأدوية الوطنية لإثبات جودة مستحضراتها عبر دراسات التكافؤ الحيوي، مؤكدة أن الالتزام بهذه المعايير العلمية من شأنه فتح آفاق التصدير أمام الدواء السوري للوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
ضغط الرسوم
أضاف مجموعة من الصيادلة مبررات مختلفة لحالة التفاوت في الأسعار التي يشهدها سوق الدواء، حيث يرون أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه المهنة بشكل عام والخريجين الجدد بشكل خاص، وآلاف الصيادلة الشباب يجدون أنفسهم تحت ضغط الرسوم النقابية في سورية، إذ تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع تشبّع سوق العمل، وفي وقت دخلت فيه إصلاحات ضريبية جديدة حيّز التنفيذ منذ مطلع عام 2026. وتعكس هذه التجارب معاناة حقيقية للصيادلة الشباب في مواجهة الرسوم النقابية وغياب فرص العمل بعد التخرج من كليات الصيدلة.
رسوم باهظة
في السياق، تقول أنانا سلمان، وهي خريجة صيدلانية، إنها لم تعمل يوماً في صيدلية، ولم تستفد من التأمين الصحي، ولا تملك مشروعاً خاصاً، ومع ذلك تُطالب بدفع رسوم نقابية تصل إلى 600 ألف ليرة سنوياً، وهي الرسوم نفسها التي يدفعها من يملك صيدلية عاملة.
نقابة لا تفرق
وتتفق معها منى العيد، وهي مندوبة علمية في دمشق، وترى أن النقابة لا تفرّق بين من يزاول المهنة ومن لم يبدأ بها بعد. وتؤكد أن تكاليف إدارة الصيدلية ارتفعت نتيجة زيادة أسعار الكهرباء والأجور والمستلزمات، مشيرة إلى أن الرسوم والضرائب في النظام القديم كانت تضغط على هوامش الربح، ما يحدّ من القدرة على تحسين أجور العاملين أو التوسع في المشاريع.
عبء غير عادل
من جانبه، يضيف يوسف الإبراهيم، المعيّن لدى وزارة الصحة، أن راتبه الشهري، الذي يبلغ نحو مليون ليرة، لا يكفي لتغطية مصاريفه الأساسية، فيما تمثل الرسوم النقابية أكثر من نصف دخله السنوي، وهو ما يصفه بعبء ثابت وغير عادل. ويشير بعض الصيادلة إلى أن ارتفاع الرسوم والضرائب أصبح ذريعة لرفع أسعار الأدوية، معتبرين أن هوامش الربح تضغط على القدرة التشغيلية للصيدليات، وهو ما ينعكس مباشرة على المواطنين. ويضيفون أن هذا التوجه ليس دائماً خياراً تجارياً حراً، بل وسيلة لتغطية التكاليف الثابتة التي لم تعد قابلة للتحمّل في ظل الركود الاقتصادي وغياب الدعم الكافي، ما يضع الصيادلة في مواجهة يومية مع التحديات المالية والمهنية.
أمان اجتماعي
في المقابل، يرى نقيب الصيادلة، إبراهيم الإسماعيل، أنّ الرسوم الاستثمارية ليست عبئاً آنياً، بل تشكّل أساساً للأمان الاجتماعي، ويشير إلى أنّ صناديق النقابة توفر دعماً للتقاعد، إذ يحصل الصيدلاني المتقاعد على مبلغ مقطوع يصل إلى خمسة ملايين ليرة، إضافة إلى راتب شهري قد يصل إلى 500 ألف ليرة.
كما أوضح أن النقابة تدرس احتساب سنوات عدم المزاولة ضمن الخدمة الفعلية للتقاعد، لضمان حقوق الخريجين الجدد الذين حالت ظروف السوق دون مزاولة المهنة فور تخرجهم. وعلى صعيد التأمين الصحي، رفعت النقابة سقف تغطية العمليات والولادات إلى ستة ملايين ليرة، بينما وصلت تغطية عمليات القلب والقساطر والشبكات إلى عشرة ملايين ليرة، في خطوة تهدف إلى حماية الصيادلة من تكاليف العلاج المرتفعة، رغم شكاوى بعضهم من صعوبة الوصول إلى المراكز المتعاقدة.
مخرج أساسي
ويرى الإسماعيل أن مشروع هيئة الغذاء والدواء السورية سيكون مخرجاً أساسياً لاستيعاب الخريجين الجدد، عبر توفير فرص عمل في مجالات الرقابة الدوائية والغذائية والتسجيل وضبط الجودة، إلى جانب تسهيلات مالية تشمل منح أدوية من مستودعات النقابة بقيمة تصل إلى عشرين مليون ليرة، بنظام تقسيط ميسّر لتمكين الصيادلة من افتتاح مشاريعهم الخاصة. ولطالما شكّل النظام الضريبي القديم عبئاً على الصيادلة، إذ كان يعتمد على تقديرات جزافية من وزارة المالية دون مراعاة التكاليف التشغيلية الفعلية أو حجم المشروع، ما كان يضغط على هوامش الربح ويحدّ من قدرة الصيادلة على تطوير مشاريعهم أو زيادة الأجور.
سبعة آلاف عاطل
وتكشف بيانات نقابة الصيادلة عن وجود نحو سبعة آلاف صيدلاني عاطل عن العمل داخل سورية، مقابل نحو خمسين ألف مزاول للمهنة، ما يعكس حالة تشبّع واضحة في سوق الصيدليات. وفي هذا السياق، يقدّم مشروع هيئة الغذاء والدواء السورية فرصة للخريجين الجدد لتجاوز ضيق السوق التقليدي، عبر فتح مجالات عمل في الرقابة والجودة والتسجيل، إلى جانب تسهيلات مالية لتمكينهم من إنشاء مشاريع صيدلانية خاصة. وبين وعود الإصلاح ومطالب الصيادلة الشباب.
نلاحظ، بعد ما تقدم، أن الإسراع في تأسيس هيئة الدواء لم يعد مطلباً فقط، بل أصبح ضرورة، سيما مع الهدف الحقيقي لعملها والمتمثل في الرقابة على الدواء، وهو أمر لا يمكن التهاون فيه، سيما وأن صحة السوريين على المحك، إضافة أنها من الممكن أن تستوعب أعداداً كبيرة من الخريجين الجدد والصيادلة العاطلين عن العمل.


