سوريا - اقتصاد
سعران للدولار في سوريا.. أيهما يقود قرارات الاستثمار واقتصاد السوق؟
122 ليرة للدولار.. هل يواكب السعر الرسمي اقتصاد السوق؟
م
مجد محمد
نشر في: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٤٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - دمشق
.
122 ليرة سورية جديدة للدولار.. رقم يبدو للوهلة الأولى مجرد سعر صرف رسمي، لكنه يفتح أسئلة أوسع حول اتجاه الاقتصاد السوري وقدرة البيئة النقدية والمصرفية على مواكبة التحول نحو اقتصاد حر وتنافسي يقوده القطاع الخاص.
ففي وقت يبلغ فيه سعر البيع في السوق الموازية نحو 135.00 ليرة جديدة للدولار لحظة إعداد هذا التقرير، تظهر فجوة بين السعر الرسمي والسعر الرائج، بالتزامن مع توجه حكومي للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى «اقتصاد الإمكانيات».
وهنا يبرز السؤال: هل يستطيع اقتصاد السوق الجديد العمل بكفاءة في ظل تعدد أسعار الصرف؟ وهل يمكن للسعر الرسمي أن ينتقل من رقم معلن إلى مرجع فعلي لقرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة؟
سعر الصرف.. أكثر من مجرد رقم
لا تكمن أهمية السعر الرسمي في قيمته الاسمية فقط، وإنما في قدرته على أداء وظيفة اقتصادية حقيقية، بوصفه مرجعاً لتسعير السلع والخدمات، وتحديد تكاليف المدخلات، وبناء القرارات الاستثمارية.
فالمستثمر يحتاج إلى تقدير كلفة رأس المال ومدخلات مشروعه، والصناعي إلى احتساب كلفة الآلات والمواد الأولية، والمستورد إلى تحديد تكلفة الواردات، فيما تحتاج المصارف إلى سعر واضح لإدارة عمليات التمويل والتسويات والتحويلات.
وكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ازدادت مخاطر تقلب سعر الصرف، وتعقدت عملية التسعير، وارتفع مستوى عدم اليقين أمام القطاع الخاص.
من اقتصاد التراخيص إلى اقتصاد الإمكانيات
تحدث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار عن توجه حكومي للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى «اقتصاد الإمكانيات»، ضمن نموذج اقتصادي حر وتنافسي يقوده القطاع الخاص، فيما يتركز دور الدولة في التنظيم وضمان المنافسة وبناء المؤسسات.
وتعني هذه الرؤية الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الأذونات والموافقات إلى آخر تصبح فيه القدرة الإنتاجية والتمويل والاستثمار والكفاءة التنافسية محددات أساسية للنشاط الاقتصادي.
ولا يقتصر الطموح، وفق هذه الرؤية، على تمكين الشركات من بيع منتجاتها داخل السوق السورية، بل يتعداه إلى دفعها نحو الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا إلى الأسواق الإقليمية.
غير أن هذا التحول يحتاج إلى بيئة اقتصادية متكاملة؛ إذ لا تكفي حرية الاستثمار وتسهيل دخول رأس المال إذا بقي المستثمر غير قادر على التنبؤ بكلفة التمويل والاستيراد والتحويلات ومسار سعر الصرف.
هل يمكن لاقتصاد السوق أن يعمل بسعرين؟
يرتبط سعر الصرف، وفق الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، بمجموعة من المحددات النقدية والاقتصادية، في مقدمتها العرض والطلب على الليرة والعملات الأجنبية، وإجراءات المصرف المركزي، واتجاهات السياسة النقدية.
وبالتالي، فإن استقرار السعر الرسمي لا يرتبط بمجرد تحديده إدارياً، وإنما بقدرة السياسة النقدية والمنظومة المصرفية على توفير آليات تجعل هذا السعر قابلاً للاستخدام في المعاملات الاقتصادية الفعلية.
فتعدد أسعار الصرف يخلق تشوهاً في آليات التسعير، ويضع الشركات أمام أكثر من تكلفة فعلية للقطع الأجنبي، بما ينعكس على قرارات الاستثمار والاستيراد والإنتاج.
وهنا يصبح السؤال العملي بالنسبة للمستثمر: أي سعر صرف سأعتمد عليه فعلياً عند احتساب تكاليف مشروعي؟
فجوة تتجاوز سوق الصرف
بحسب سعر البيع الرائج لحظة إعداد التقرير، فإن شراء ما قيمته 100 ألف دولار يحتاج، وفق السعر الرسمي، إلى نحو 12.2 مليون ليرة جديدة، بينما ترتفع الكلفة وفق سعر السوق الموازية إلى نحو 13.5 مليون ليرة.
وبذلك يصل الفارق إلى نحو 13 مليون ليرة جديدة، أي قرابة 10.5% مقارنة بالكلفة وفق السعر الرسمي.
ولا تبقى هذه الفجوة محصورة في سوق القطع الأجنبي؛ إذ يمكن أن تنتقل إلى هيكل التكاليف لدى المستوردين والصناعيين، ومنه إلى أسعار المواد الأولية والسلع والخدمات وصولاً إلى المستهلك النهائي.
ومع ذلك، يبقى سعر السوق الموازية متغيراً بطبيعته، وبالتالي فإن هذه الأرقام تعكس لحظة إعداد التقرير ولا تمثل فجوة ثابتة.
الاستقرار يبدأ من الاقتصاد الحقيقي
يطرح الخبير الاقتصادي رضوان الدبس زاوية أخرى، إذ يربط استقرار سعر الصرف بقدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي من مصادر حقيقية، في مقدمتها الإنتاج والتصدير والاستثمار.
فكلما ارتفع الاعتماد على الواردات وتراجعت قدرة الاقتصاد على توليد موارد من النقد الأجنبي، بقي سوق الصرف أكثر حساسية للطلب على الدولار والتغيرات في مستويات السيولة والعرض النقدي.
وبذلك، فإن تضييق الفجوة بين السعرين لا يمكن أن يكون مهمة نقدية فقط، بل يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، ورفع القدرة التصديرية، وجذب الاستثمارات، وتوليد تدفقات مستدامة من القطع الأجنبي.
وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع ما يطرحه الشعار بشأن «اقتصاد الإمكانيات». فإذا كانت سوريا تتجه إلى التحول من سوق تستقبل المنتجات ورؤوس الأموال إلى منصة للإنتاج والتصدير، تصبح زيادة الإنتاجية وتوسيع القاعدة الصناعية وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة عناصر أساسية في هذا التحول.
لكن الإنتاج نفسه يحتاج في مراحل عديدة إلى استيراد الآلات والمعدات والمواد الأولية، ما يجعل سعر الصرف وآليات تأمين القطع الأجنبي جزءاً أساسياً من دراسة الجدوى لأي مشروع استثماري.
بعبارة أخرى، يحتاج اقتصاد الإمكانيات إلى استقرار نقدي، فيما يحتاج الاستقرار النقدي بدوره إلى اقتصاد منتج وقادر على توليد النقد الأجنبي.
المصارف أمام اختبار حقيقي
إذا كان السعر الرسمي هو المرجع المعتمد، فإن أحد أهم اختبارات فاعليته يتمثل في قدرة القطاع المصرفي على توفير العملات الأجنبية للأنشطة الاقتصادية وفق آليات واضحة ومستقرة.
فالمستثمر لا يحتاج إلى معرفة السعر الرسمي فحسب، بل إلى إمكانية فعلية للوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات المصرفية، وتمويل الواردات، وتنفيذ التحويلات وإعادة الأرباح وفق قواعد يمكن التنبؤ بها.
ومن دون فاعلية هذه القنوات، سيبقى السعر الموازي حاضراً في حسابات التكلفة والتسعير ودراسات الجدوى، بصرف النظر عن مستوى السعر الرسمي المعلن.
من أين يأتي الدولار؟
يحتاج اقتصاد السوق إلى تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وهذه لا يصنعها سوق الصرف وحده، بل تأتي من زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وتحويلات السوريين، والسياحة والخدمات، وتطوير القطاعات القادرة على بيع منتجاتها وخدماتها في الأسواق الخارجية.
فكل تدفق إضافي من النقد الأجنبي يعزز جانب العرض، وكل توسع في الإنتاج القابل للتصدير يرفع قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية ويخفف الضغط على سوق الصرف.
وهنا يتحول الاقتصاد الحقيقي إلى أحد أهم محددات استقرار سعر الصرف، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ لنتائج السياسة النقدية.
المستثمر يبحث عن سعر يمكن التنبؤ به
بالنسبة للمستثمر، قد لا يكون انخفاض سعر الدولار العامل الحاسم بحد ذاته؛ فالأكثر أهمية هو استقرار قواعد العمل الاقتصادي: سعر صرف واضح، وإمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية، وقطاع مصرفي فعال، وقواعد مستقرة للتحويلات وتمويل المشاريع وإعادة الأرباح.
لذلك، فإن المستثمر الذي يدخل السوق السورية لا يسأل فقط: «كم سعر الدولار؟»، بل يسأل أيضاً: هل أستطيع التنبؤ بكلفة النقد الأجنبي عندما يبدأ مشروعي بالإنتاج؟ وهل ستبقى قواعد تحويل الأموال وتمويل التجارة واضحة ومستقرة؟
المواطن في نهاية السلسلة
يبقى المواطن الطرف الذي يختبر النتائج النهائية لهذه المعادلة.
فإذا أسهم التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية في زيادة الإنتاج وتوسيع العرض وتعزيز المنافسة، فقد تنعكس نتائجه على الأسعار وفرص العمل والدخل.
أما إذا استمر الاعتماد الكبير على الواردات وبقيت فجوة سعر الصرف، فإن جزءاً من تكلفتها يمكن أن ينتقل إلى المستهلك عبر أسعار السلع والخدمات.
لذلك، لا يمكن قراءة سعر الصرف بوصفه مؤشراً نقدياً منفرداً، بل ضمن منظومة تشمل الإنتاج والأسعار والتجارة الخارجية والسيولة والاستثمار والقدرة الشرائية.
سعر الصرف أمام اختبار الاقتصاد الجديد
الانتقال إلى اقتصاد حر وتنافسي يحتاج إلى أكثر من تعديل القوانين أو تبسيط إجراءات الترخيص؛ فهو يتطلب بيئة نقدية ومصرفية مستقرة، وسعر صرف واضحاً وقابلاً للاستخدام الفعلي، ومصارف قادرة على تمويل النشاط الاقتصادي، وقنوات رسمية فاعلة لتوفير النقد الأجنبي، وقطاعاً خاصاً قادراً على الاستثمار والإنتاج والتصدير.
ويتحول السعر الرسمي إلى مرجع اقتصادي فعلي عندما يستطيع المستثمر بناء نموذج أعماله على أساسه، والمستورد احتساب تكلفته وفقه، والصناعي تأمين مدخلات الإنتاج عبر النظام المصرفي، والمصدّر إدخال عائداته إلى الدورة الاقتصادية من خلال قنوات واضحة.
عندها ينتقل السعر الرسمي من كونه رقماً معلناً إلى أداة تؤثر فعلياً في القرارات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، لا تبدو قصة «اقتصاد الـ122 ليرة» مرتبطة بسعر الدولار وحده، بل بالسؤال الأوسع حول قدرة سوريا على الانتقال من اقتصاد التراخيص والموافقات إلى اقتصاد الإمكانيات والسوق والمنافسة.
فسعر الصرف واحد من اختبارات هذا التحول، فيما ستتحدد نتائجه الفعلية بقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وزيادة الإنتاج والصادرات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوليد تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وبناء ثقة القطاع الخاص في قواعد اقتصادية واضحة ومستقرة وقابلة للتنبؤ.
ففي وقت يبلغ فيه سعر البيع في السوق الموازية نحو 135.00 ليرة جديدة للدولار لحظة إعداد هذا التقرير، تظهر فجوة بين السعر الرسمي والسعر الرائج، بالتزامن مع توجه حكومي للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى «اقتصاد الإمكانيات».
وهنا يبرز السؤال: هل يستطيع اقتصاد السوق الجديد العمل بكفاءة في ظل تعدد أسعار الصرف؟ وهل يمكن للسعر الرسمي أن ينتقل من رقم معلن إلى مرجع فعلي لقرارات الاستثمار والإنتاج والتجارة؟
سعر الصرف.. أكثر من مجرد رقم
لا تكمن أهمية السعر الرسمي في قيمته الاسمية فقط، وإنما في قدرته على أداء وظيفة اقتصادية حقيقية، بوصفه مرجعاً لتسعير السلع والخدمات، وتحديد تكاليف المدخلات، وبناء القرارات الاستثمارية.
فالمستثمر يحتاج إلى تقدير كلفة رأس المال ومدخلات مشروعه، والصناعي إلى احتساب كلفة الآلات والمواد الأولية، والمستورد إلى تحديد تكلفة الواردات، فيما تحتاج المصارف إلى سعر واضح لإدارة عمليات التمويل والتسويات والتحويلات.
وكلما اتسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، ازدادت مخاطر تقلب سعر الصرف، وتعقدت عملية التسعير، وارتفع مستوى عدم اليقين أمام القطاع الخاص.
من اقتصاد التراخيص إلى اقتصاد الإمكانيات
تحدث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار عن توجه حكومي للانتقال من «اقتصاد التراخيص والموافقات» إلى «اقتصاد الإمكانيات»، ضمن نموذج اقتصادي حر وتنافسي يقوده القطاع الخاص، فيما يتركز دور الدولة في التنظيم وضمان المنافسة وبناء المؤسسات.
وتعني هذه الرؤية الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الأذونات والموافقات إلى آخر تصبح فيه القدرة الإنتاجية والتمويل والاستثمار والكفاءة التنافسية محددات أساسية للنشاط الاقتصادي.
ولا يقتصر الطموح، وفق هذه الرؤية، على تمكين الشركات من بيع منتجاتها داخل السوق السورية، بل يتعداه إلى دفعها نحو الإنتاج والتوريد والتوزيع من سوريا إلى الأسواق الإقليمية.
غير أن هذا التحول يحتاج إلى بيئة اقتصادية متكاملة؛ إذ لا تكفي حرية الاستثمار وتسهيل دخول رأس المال إذا بقي المستثمر غير قادر على التنبؤ بكلفة التمويل والاستيراد والتحويلات ومسار سعر الصرف.
هل يمكن لاقتصاد السوق أن يعمل بسعرين؟
يرتبط سعر الصرف، وفق الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي، بمجموعة من المحددات النقدية والاقتصادية، في مقدمتها العرض والطلب على الليرة والعملات الأجنبية، وإجراءات المصرف المركزي، واتجاهات السياسة النقدية.
وبالتالي، فإن استقرار السعر الرسمي لا يرتبط بمجرد تحديده إدارياً، وإنما بقدرة السياسة النقدية والمنظومة المصرفية على توفير آليات تجعل هذا السعر قابلاً للاستخدام في المعاملات الاقتصادية الفعلية.
فتعدد أسعار الصرف يخلق تشوهاً في آليات التسعير، ويضع الشركات أمام أكثر من تكلفة فعلية للقطع الأجنبي، بما ينعكس على قرارات الاستثمار والاستيراد والإنتاج.
وهنا يصبح السؤال العملي بالنسبة للمستثمر: أي سعر صرف سأعتمد عليه فعلياً عند احتساب تكاليف مشروعي؟
فجوة تتجاوز سوق الصرف
بحسب سعر البيع الرائج لحظة إعداد التقرير، فإن شراء ما قيمته 100 ألف دولار يحتاج، وفق السعر الرسمي، إلى نحو 12.2 مليون ليرة جديدة، بينما ترتفع الكلفة وفق سعر السوق الموازية إلى نحو 13.5 مليون ليرة.
وبذلك يصل الفارق إلى نحو 13 مليون ليرة جديدة، أي قرابة 10.5% مقارنة بالكلفة وفق السعر الرسمي.
ولا تبقى هذه الفجوة محصورة في سوق القطع الأجنبي؛ إذ يمكن أن تنتقل إلى هيكل التكاليف لدى المستوردين والصناعيين، ومنه إلى أسعار المواد الأولية والسلع والخدمات وصولاً إلى المستهلك النهائي.
ومع ذلك، يبقى سعر السوق الموازية متغيراً بطبيعته، وبالتالي فإن هذه الأرقام تعكس لحظة إعداد التقرير ولا تمثل فجوة ثابتة.
الاستقرار يبدأ من الاقتصاد الحقيقي
يطرح الخبير الاقتصادي رضوان الدبس زاوية أخرى، إذ يربط استقرار سعر الصرف بقدرة الاقتصاد على توليد القطع الأجنبي من مصادر حقيقية، في مقدمتها الإنتاج والتصدير والاستثمار.
فكلما ارتفع الاعتماد على الواردات وتراجعت قدرة الاقتصاد على توليد موارد من النقد الأجنبي، بقي سوق الصرف أكثر حساسية للطلب على الدولار والتغيرات في مستويات السيولة والعرض النقدي.
وبذلك، فإن تضييق الفجوة بين السعرين لا يمكن أن يكون مهمة نقدية فقط، بل يتطلب توسيع القاعدة الإنتاجية، ورفع القدرة التصديرية، وجذب الاستثمارات، وتوليد تدفقات مستدامة من القطع الأجنبي.
وهنا تتقاطع هذه الرؤية مع ما يطرحه الشعار بشأن «اقتصاد الإمكانيات». فإذا كانت سوريا تتجه إلى التحول من سوق تستقبل المنتجات ورؤوس الأموال إلى منصة للإنتاج والتصدير، تصبح زيادة الإنتاجية وتوسيع القاعدة الصناعية وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة عناصر أساسية في هذا التحول.
لكن الإنتاج نفسه يحتاج في مراحل عديدة إلى استيراد الآلات والمعدات والمواد الأولية، ما يجعل سعر الصرف وآليات تأمين القطع الأجنبي جزءاً أساسياً من دراسة الجدوى لأي مشروع استثماري.
بعبارة أخرى، يحتاج اقتصاد الإمكانيات إلى استقرار نقدي، فيما يحتاج الاستقرار النقدي بدوره إلى اقتصاد منتج وقادر على توليد النقد الأجنبي.
المصارف أمام اختبار حقيقي
إذا كان السعر الرسمي هو المرجع المعتمد، فإن أحد أهم اختبارات فاعليته يتمثل في قدرة القطاع المصرفي على توفير العملات الأجنبية للأنشطة الاقتصادية وفق آليات واضحة ومستقرة.
فالمستثمر لا يحتاج إلى معرفة السعر الرسمي فحسب، بل إلى إمكانية فعلية للوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات المصرفية، وتمويل الواردات، وتنفيذ التحويلات وإعادة الأرباح وفق قواعد يمكن التنبؤ بها.
ومن دون فاعلية هذه القنوات، سيبقى السعر الموازي حاضراً في حسابات التكلفة والتسعير ودراسات الجدوى، بصرف النظر عن مستوى السعر الرسمي المعلن.
من أين يأتي الدولار؟
يحتاج اقتصاد السوق إلى تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وهذه لا يصنعها سوق الصرف وحده، بل تأتي من زيادة الصادرات، وجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، وتحويلات السوريين، والسياحة والخدمات، وتطوير القطاعات القادرة على بيع منتجاتها وخدماتها في الأسواق الخارجية.
فكل تدفق إضافي من النقد الأجنبي يعزز جانب العرض، وكل توسع في الإنتاج القابل للتصدير يرفع قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية ويخفف الضغط على سوق الصرف.
وهنا يتحول الاقتصاد الحقيقي إلى أحد أهم محددات استقرار سعر الصرف، بدلاً من أن يكون مجرد متلقٍ لنتائج السياسة النقدية.
المستثمر يبحث عن سعر يمكن التنبؤ به
بالنسبة للمستثمر، قد لا يكون انخفاض سعر الدولار العامل الحاسم بحد ذاته؛ فالأكثر أهمية هو استقرار قواعد العمل الاقتصادي: سعر صرف واضح، وإمكانية الوصول إلى العملات الأجنبية، وقطاع مصرفي فعال، وقواعد مستقرة للتحويلات وتمويل المشاريع وإعادة الأرباح.
لذلك، فإن المستثمر الذي يدخل السوق السورية لا يسأل فقط: «كم سعر الدولار؟»، بل يسأل أيضاً: هل أستطيع التنبؤ بكلفة النقد الأجنبي عندما يبدأ مشروعي بالإنتاج؟ وهل ستبقى قواعد تحويل الأموال وتمويل التجارة واضحة ومستقرة؟
المواطن في نهاية السلسلة
يبقى المواطن الطرف الذي يختبر النتائج النهائية لهذه المعادلة.
فإذا أسهم التحول نحو اقتصاد أكثر تنافسية في زيادة الإنتاج وتوسيع العرض وتعزيز المنافسة، فقد تنعكس نتائجه على الأسعار وفرص العمل والدخل.
أما إذا استمر الاعتماد الكبير على الواردات وبقيت فجوة سعر الصرف، فإن جزءاً من تكلفتها يمكن أن ينتقل إلى المستهلك عبر أسعار السلع والخدمات.
لذلك، لا يمكن قراءة سعر الصرف بوصفه مؤشراً نقدياً منفرداً، بل ضمن منظومة تشمل الإنتاج والأسعار والتجارة الخارجية والسيولة والاستثمار والقدرة الشرائية.
سعر الصرف أمام اختبار الاقتصاد الجديد
الانتقال إلى اقتصاد حر وتنافسي يحتاج إلى أكثر من تعديل القوانين أو تبسيط إجراءات الترخيص؛ فهو يتطلب بيئة نقدية ومصرفية مستقرة، وسعر صرف واضحاً وقابلاً للاستخدام الفعلي، ومصارف قادرة على تمويل النشاط الاقتصادي، وقنوات رسمية فاعلة لتوفير النقد الأجنبي، وقطاعاً خاصاً قادراً على الاستثمار والإنتاج والتصدير.
ويتحول السعر الرسمي إلى مرجع اقتصادي فعلي عندما يستطيع المستثمر بناء نموذج أعماله على أساسه، والمستورد احتساب تكلفته وفقه، والصناعي تأمين مدخلات الإنتاج عبر النظام المصرفي، والمصدّر إدخال عائداته إلى الدورة الاقتصادية من خلال قنوات واضحة.
عندها ينتقل السعر الرسمي من كونه رقماً معلناً إلى أداة تؤثر فعلياً في القرارات الاقتصادية.
وفي هذا السياق، لا تبدو قصة «اقتصاد الـ122 ليرة» مرتبطة بسعر الدولار وحده، بل بالسؤال الأوسع حول قدرة سوريا على الانتقال من اقتصاد التراخيص والموافقات إلى اقتصاد الإمكانيات والسوق والمنافسة.
فسعر الصرف واحد من اختبارات هذا التحول، فيما ستتحدد نتائجه الفعلية بقدرة الاقتصاد على جذب الاستثمار وزيادة الإنتاج والصادرات، وتطوير القطاع المصرفي، وتوليد تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي، وبناء ثقة القطاع الخاص في قواعد اقتصادية واضحة ومستقرة وقابلة للتنبؤ.


