سوريا - فن
الساروت يُشعل ثورة على " القيصر"..
ا
العين السورية
نشر في: ٢٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٤٠عدل في: ٢٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٣:٤٠
3 دقيقة
0

إن كان السوريين قد اتفقوا جميعاً - بعد التحرير - على التطلع للأمام والتفرغ لبناء بلدهم المُنهك، فإن حساسية الماضي القريب المُفعم بالجراح، تأبى إلّا أن تفرض نفسها عنوة في تفاصيل كثيرة، ولا سيما عندما يتصل الأمر بالبُعد التوثيقي للروايات المريرة.
وبما أن الدراما كانت " أول الواصلين" إلى مطرح السّرد وإنشاء وتجسيد الحكايات الموجعة، يبقى عليها أن تتصالح مع ميزان الرأي العام الحسّاس.. وبصراحة أكثر أن تتحمل النقد مهما بلغت حدّته.. والمواجهة الجديدة والطازجة كانت مع " القيصر".
غضب
أثار مسلسل " القيصر.. لا مكان ولازمان" موجة غضب شعبي عارمة في أوساط السوريين، على خلفيّة ما وصفوه بالإساءة للساروت.. والساروت هو عبد الباسط الساروت منشد وحارس الثورة السورية، وُلد في مدينة حمص، ونشأ في عائلة من أصول جولانية.. برز اسمه قبل عام 2011 في المجال الرياضي حارساً لمرمى نادي الكرامة والمنتخب السوري للشباب، وشارك في أكثر من 130 مباراة رسمية، وكان يُعد من الأسماء الواعدة في كرة القدم السورية.
ومع انطلاق الاحتجاجات عام 2011، ترك مسيرته الرياضية وانخرط في المظاهرات المناهضة للنظام المخلوع في حمص، ليتقدم الصفوف سريعاً ويُعرف بلقب "منشد وحارس الثورة"، بعدما ارتبط اسمه بالأناشيد التي رددها المتظاهرون في ساحات المدينة المحاصرة.
وفي 8 حزيران/يونيو 2019، أُصيب بشظايا قذائف هاون خلال معارك في قرية تل ملح بريف حماة الشمالي ضد قوات النظام المخلوع. ونُقل إلى أحد المشافي في مدينة الريحانية التركية نظراً لخطورة إصابته، إلا أنه فارق الحياة متأثراً بجراحه عن عمر ناهز 27 عاماً.
إساءة لرمز ثوري
أشعل مشهد في الحلقة الأولى من " القيصر" غضب طيفاً واسعاً في الشارع السوري لما وجدوا فيه من إساءة مباشرة لمنشد الثورة الراحل عبد الباسط الساروت.
يتضمن المشهد استجواب فتاة من مدينة حمص من قبل ضابط أمن يؤدي دوره الممثل سامر كحلاوي.. استخدم الضابط عبارات مسيئة بحق الساروت، من بينها وصفه بـ"الإرهابي الكلب"، وهذه الجملة كانت كفيلة بإشعال فتيل غضب واسع الطيف.
وطالب كثيرون بوقف عرض المسلسل فوراً ومحاسبة منتجيه، إلى جانب مساءلة نقابة الفنانين، معتبرين أن العمل "ينحاز لرواية النظام السوري" ويعيد إنتاج خطاب التخوين بحق رموز الثورة.
تلاعب بالمونتاج
إلا أن سامر كحلاوي " الضابط " قدّم توضيحات عبر حساباته الشخصية وفي لقاءات إعلامية، نافيا تبنّيه أي إساءة لعبد الباسط الساروت، ومؤكداً أن المشهد خضع لما وصفه بـ"تلاعب في المونتاج"، وأن السياق الدرامي كان يهدف إلى إبراز "إجرام النظام المخلوع" لا تبريره.
وأوضح كحلاوي أن شخصية "الرائد يسار" التي ،يجسدها تمثل، مجرمي ضباط الأفرع الأمنية، مشيراً إلى أنه سعى من خلال الدور إلى كشف ممارساتهم داخل المعتقلات، و"منع تلميع صورة النظام عبر شخصيات رمادية".
مساءلة قانونية
لم تبق الاعتراضات على " القيصر" ذات طابع شعبي، بل اتخذت طابعاً شبه رسمي، إذ أصدرت نقابة المحامين في حمص بياناً طالبت فيه وزارة الإعلام والجهات المختصة بفتح تحقيق مهني مستقل في محتوى المسلسل " القيصر" على خلفية ما وصفته بـ”إشكاليات قانونية وحقوقية” تتعلق بطريقة معالجة أحداث الاعتقال والتعذيب في مراكز التوقيف السورية خلال فترة حكم النظام السابق.
وأوضح المحامي عمار عزالدين، عضو مجلس نقابة المحامين – فرع حمص، في تصريحات إعلامية، أن ثمة أسس قانونية محددة استندت إليها النقابة للمطالبة بفتح تحقيق مستقل في مضمون مسلسل “القيصر لا زمان ولا مكان”:
منها جرم القدح والذم المعاقب عليه في قانون العقوبات السوري متى تضمنت إسناد عبارات تنال من الشرف والاعتبار... وجرم الإساءة إلى ذكرى متوفى متى كان الفعل يمس الكرامة والسمعة.. إلى جانب المسؤولية التقصيرية (المادة 164 مدني)، وحيث إن استمرار عرض العمل يعمق الضرر ويؤدي إلى تجدده.
إلى جانب مخالفة قانون الإعلام رقم 108 لعام 2011 وتعديلاته.
وأضاف عز الدين أن نقابة المحامين، بصفتها هيئة مهنية تمثل شريحة قانونية معنية بحماية سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية والدفاع عن الحقوق والحريات، تملك مصلحة مشروعة في الإخبار عن أي محتوى إعلامي يحتمل أن ينطوي على مخالفة جزائية أو مساس بالنظام العام.
مؤكداً أنه في حال عدم الاستجابة السريعة من الشركة المنتجة، سوف يتم اللجوء إلى القضاء الجزائي عن طريق تقديم إخبار للنيابة العامة في حمص، مع حفظ حق النيابة العامة في التوصيف الجرمي. ثم اللجوء إلى القضاء المدني بدعوى وقف عرض المسلسل لحين البت بأصل النزاع.
خلل في المعالجة الدرامية
وأشارت نقابة المحامين في حمص في بيانها، إلى أن حرية التعبير الفني مكفولة من حيث الأصل، لكنها ليست مطلقة، بل تقف، وفق البيان، عند حدود عدم المساس بالحقوق الشخصية أو تشويه الوقائع الثابتة بما يسبب ضرراً معنوياً مباشراً للضحايا وذويهم، أو يؤدي إلى تغيير سردية الأحداث ومرتكبي الانتهاكات تحت أي مبرر.
ولفت البيان إلى أن وقائع الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري خضعت لتوثيق واسع من منظمات حقوقية سورية ودولية، وشكلت موضوع تقارير رسمية وإجراءات قضائية خارج البلاد، ما يستوجب – بحسب النقابة – التزام أي معالجة درامية بالدقة وعدم التحريف الجوهري الذي من شأنه “تمييع الحقيقة الإجرامية”.
وتوقف البيان عند ما اعتبره “عدم مراعاة” من قبل شركة الإنتاج فيما يخص اسم الشهيد عبد الباسط الساروت، مشيراً إلى أن استخدام اسمه تم – وفق ما ورد – دون الحصول على موافقة خطية من ذويه أو عرض النص عليهم مسبقاً.
أما المسألة الأكثر حساسية فكانت إشارة البيان إلى تصريحات منسوبة لأحد ممثلي العمل، سامر الكحلاوي، تحدث فيها عن حذف عبارات تتناول رأس النظام السابق بشار الأسد، مقابل الإبقاء على عبارات وصفت بأنها تتضمن إساءة لأحد رموز الثورة السورية، معتبرا أن ذلك يثير تساؤلات تستوجب توضيحات شفافة.
تحقيق ومحاسبة
النقابة طالبت بفتح تحقيق مهني مستقل لبيان مدى مطابقة العمل للوقائع الثابتة وخلوه من أي إساءة أو تضليل. وتشكيل لجنة فنية قانونية تضم خبراء قانونيين وحقوقيين لدراسة المحتوى وتقييم المشاهد والعبارات محل الاعتراض.
ثم اتخاذ تدابير احترازية في حال ثبوت وجود إساءة أو تحريف، بما يشمل تصويب المحتوى أو وقف بث الأجزاء المخالفة، أو تعليق عرض العمل مؤقتا إلى حين انتهاء التحقيق.
واعتبرت النقابة بيانها إنذاراً رسمياً لشركة الإنتاج والجهات العارضة لتنفيذ ما ورد فيه خلال مدة أقصاها سبعة أيام من تاريخ نشره، وإلا ستلجأ إلى اتخاذ الإجراءات القضائية المدنية والجزائية وفق الأصول القانونية.
بما أن الأمر تعدّى مجرد الاعتراضات الشعبية، إلى تحريك إجراءات قانونية.. ومطالبات بإيقاف عرض العمل، فإن الساعات القادمة ستحمل تطورات مختلفة، قد يكون أقلها تعديلات سريعة على السرد الدرامي واستدراك ما يجب استدراكه في حلقات قادمة، بما أن المسلسل قيد العرض.


