سوريا - اقتصاد
التسوق الإلكتروني في سوريا.. لا فاتورة ولا عنوان، فمن يحمي المستهلك؟
بين الدفع المسبق وانتظار الشحنات لأسابيع وصعوبة الإرجاع، تكشف جولة ميدانية وتصريحات خبراء لـ«العين السورية» عن تحديات حماية المستهلك وتنظيم البيع عبر الإنترنت في سوريا.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:٢٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – خاص
لم يعد شراء الملابس ومستحضرات التجميل والإلكترونيات وغيرها من المنتجات المستوردة يتطلب زيارة المتاجر أو التعامل مباشرة مع المستوردين. فمن خلال صفحات فيسبوك وإنستغرام ووسائل التواصل الأخرى، يستطيع المستهلك في سوريا طلب منتجات من منصات التسوق الإلكتروني العالمية، بينها «شي إن»، وانتظار وصولها إلى منزله بعد أسابيع، مقابل أسعار قد تبدو منافسة وتشكيلة يصعب العثور عليها محلياً.
لكن سهولة الطلب لا تعني بالضرورة وضوح العلاقة التجارية. ففي بعض الحالات التي رصدتها «العين السورية» ميدانياً، يدفع المشتري جزءاً من المبلغ إلكترونياً قبل وصول المنتج، من دون الحصول على فاتورة أو معرفة العنوان التجاري للوسيط، فيما لا تكون شروط الإرجاع والاستبدال محددة كتابةً. وعندما يتأخر الطلب أو يصل بمقاس غير مناسب، يصبح الحل مرتبطاً بالتفاهم المباشر بين الطرفين.
هذه الممارسات لا تقتصر بالضرورة على وسيط أو منصة بعينها، كما أن «شي إن» ليست سوى نموذج ضمن سوق أوسع تتعدد فيه منصات التسوق الإلكتروني والصفحات التي تتولى تأمين المنتجات للمستهلكين. والسؤال الذي تطرحه هذه السوق ليس ما إذا كان الشراء عبر الإنترنت يوفر الوقت والخيارات فحسب، بل أيضاً: من يتحمل المسؤولية عندما تتعثر الصفقة، وكيف يستطيع المستهلك إثبات حقه؟
دفعة مسبقة وانتظار قد يصل إلى 45 يوماً
تكشف الجولة الميدانية التي أجرتها «العين السورية» على عدد من التعاملات مع وسطاء لطلب منتجات من الخارج أن الدفع يتم غالباً على دفعتين إلكترونياً: جزء مسبقاً، والباقي عند الاستلام. وتتراوح مدة الانتظار المعتادة بين 25 و30 يوماً، وقد امتدت في بعض الحالات إلى 45 يوماً، وفق مبررات قدمها الوسطاء تتعلق بتأخر الشحنة.
وفي الحالات التي شملها الرصد، لم يحصل المشترون على فواتير، ولم تتوافر سياسة مكتوبة وواضحة للإرجاع أو الاستبدال، كما كان العنوان التجاري للبائع غير معروف أو غير معلن في الغالب. وعند وجود خطأ في المقاس، لم يكن هناك مسار محدد سلفاً لمعالجة المشكلة، بل تفاهم مباشر مع الوسيط.
أما السعر، فقد طابق في بعض الحالات السعر الظاهر على منصة «شي إن»، أو زاد بنحو دولار واحد، في حين تراوحت تكلفة التوصيل داخل دمشق بين 25 ألفاً و30 ألف ليرة سورية قديمة، وفق الرصد الميداني.
ويعتمد المستهلك، في ظل غياب هذه المعلومات، على سمعة الصفحة وعدد متابعيها والتعليقات المنشورة عليها. لكن هذه المؤشرات، حتى عندما تعطي انطباعاً إيجابياً، لا تثبت وحدها أن البائع مسجل أو أن شروط البيع واضحة أو أن استرداد المبلغ سيكون ممكناً عند نشوء خلاف.
وتظهر المنتجات المستلمة أحياناً مصدرها أو علامتها، لكن ذلك لا يعني أن المشتري يعرف بالضرورة هوية الوسيط الذي تولى الطلب أو اسم البائع الأصلي وعنوانه. وفي المقابل، يلجأ المشترون إلى هذه الصفحات لما توفره من أسعار مناسبة أحياناً، وتشكيلة واسعة، ومنتجات يرون أن جودتها قد تكون أفضل من البدائل المتاحة محلياً.
وبذلك، لا تنبع جاذبية التسوق الإلكتروني من السعر وحده، بل من الجمع بين سهولة الوصول إلى المنتجات وتنوعها. غير أن هذه المزايا قد تقابلها فجوة في المعلومات والضمانات التي يحتاج إليها المستهلك إذا لم يصل الطلب أو لم يطابق المواصفات.
اتحاد غرف التجارة: البيع المنتظم نشاط تجاري حتى دون متجر
يرى عامر الحمصي، مدير اتحاد غرف التجارة السورية، في تصريح لـ«العين السورية»، أن ممارسة البيع بصورة منتظمة ولحساب الشخص عبر منصات التواصل الاجتماعي تُعد نشاطاً تجارياً، حتى في غياب متجر تقليدي، مشيراً إلى أن العبرة بطبيعة النشاط واستمراريته، لا بالوسيلة المستخدمة لممارسته.
ويضيف الحمصي أن قانون المعاملات الإلكترونية رقم 3 لعام 2014 نظم المعاملات والبيع عبر الوسائل الإلكترونية، فيما ترتبط متطلبات التسجيل والترخيص بطبيعة النشاط والتشريعات النافذة.
لكن حجم التجارة التي تجري عبر هذه القنوات لا يزال غير واضح إحصائياً. فبحسب الحمصي، لا تتوافر لدى الاتحاد أو الغرف التجارية بيانات دقيقة عن عدد الممارسين للتجارة الإلكترونية أو البائعين عبر منصات التواصل، ويعمل الاتحاد مع الغرف في المحافظات على بناء قاعدة بيانات موحدة. كما أن عدد الصفحات لا يعكس بالضرورة عدد التجار، إذ قد تمثل الصفحة نشاطاً تجارياً منظماً، أو عملاً فردياً محدوداً، أو وسيطاً لتأمين المنتجات.
ويشير الحمصي إلى انتشار البيع عبر فيسبوك وإنستغرام وواتساب، إلى جانب الطلب المسبق والوساطة لتأمين المنتجات من الخارج، بينما لا تزال المتاجر الإلكترونية المتخصصة محدودة نسبياً. ويصف السوق بأنها في مرحلة نمو وانتقال نحو التجارة المنظمة.
وتشمل التحديات، وفق الحمصي، إجراءات الاستيراد والرسوم والتخليص الجمركي، وتعدد حلقات الوساطة، وصعوبات الدفع الإلكتروني عبر الحدود، وتكاليف الشحن والتوصيل، فضلاً عن ضمان مطابقة المنتجات وخدمات ما بعد البيع.
ولا يرى اتحاد غرف التجارة أن الحل يكمن في الحد من التجارة الإلكترونية، بل في وضع إطار عملي ومبسط يساعد على انتقالها تدريجياً إلى الاقتصاد الرسمي، عبر التسجيل الميسر، وتعزيز حماية المستهلك، وتوضيح قواعد الاستيراد والدفع والتوصيل، وتشجيع وسائل الدفع الإلكتروني. ويرى الحمصي أن التنظيم يمكن أن يعزز المصداقية، ويوسع قاعدة التجار النظاميين، ويحسن البيانات المتاحة عن السوق.
الجمارك: متى تصبح المشتريات الشخصية ذات طابع تجاري؟
تتصل إحدى المسائل الأساسية في التسوق عبر الوسطاء بكيفية تصنيف البضائع الواردة من الخارج، خصوصاً عندما يجمع وسيط طلبات عدة مستهلكين في شحنة واحدة.
ويوضح مازن علوش، مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في تصريح لـ«العين السورية»، أن تحديد ما إذا كانت البضاعة ذات طابع شخصي أو تجاري يعتمد على طبيعتها وكميتها، وفق تقدير الكشاف الجمركي والمعايير المعتمدة.
ويقول علوش إن الطرود البريدية التي لا تحمل صفة تجارية كانت تخضع سابقاً لرسم مقطوع بنسبة 25%، بينما تطبق حالياً التعرفة الجمركية المعتمدة، وتُحدد الرسوم والضرائب وفق الوزن والبند الجمركي والتصنيف المعتمد للبضاعة.
وبحسب شرحه، تتناسب البضاعة الشخصية مع الاستخدام الفردي من حيث الكمية وطبيعة الأصناف، في حين قد يشير تكرار الأصناف والمقاسات أو وجود كميات متعددة إلى نشاط تجاري. وأشار إلى صدور تعميم يتضمن معايير، منها كمية البضاعة وحجمها، للمساعدة في التمييز بين الحالتين.
لكن الهيئة لا تتوافر لديها حالياً بيانات أو تقديرات محددة عن حجم الطرود التي تدخل سوريا وتضم منتجات مشتراة إلكترونياً، وفق علوش، إذ قد تصل هذه المنتجات عبر شركات الشحن أو مع المسافرين.
ويشرح أن تجميع طلبات عدة زبائن وإدخالها في شحنة واحدة يجري عادة عبر شركات الشحن، حيث يتعامل التاجر أو المستورد مع الشركة ضمن متطلبات تشمل بوليصة الشحن والفاتورة.
وتطرح هذه الآلية تساؤلات عملية حول مسؤولية الوسيط الذي يتولى تأمين المنتجات نيابة عن عدة مستهلكين، وكيفية تحديد الصفة الجمركية للشحنة والمسؤول عن الاستيراد والرسوم. وهي مسائل تزداد أهميتها مع انتشار الطلب المسبق والشراء بالوساطة، وتحتاج إلى توضيح الإجراءات المطبقة على هذه النماذج من التعاملات.
جمعية حماية المستهلك: المخاطر لا تتوقف عند تأخر الطلب
من جهته، يحذر عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، في تصريح لـ«العين السورية»، من أن التسوق الإلكتروني، رغم ما يوفره من سهولة في الوصول إلى المنتجات وتنوع الخيارات، ينطوي على مخاطر تتعلق بسلامة السلع ومطابقتها للمواصفات، فضلاً عن الإعلانات المضللة وصعوبة الرجوع إلى البائع عند وقوع مشكلة.
ويقول حبزة إن الجمعية تتلقى شكاوى تتعلق بمواد غذائية وصحية ومستحضرات تجميل ومنظفات وبعض القطع الإلكترونية، مشيراً إلى حالات تتعلق بجهالة المنشأ أو غياب بطاقة البيان الواضحة، إضافة إلى اختلاف المواصفات بين الإعلان والمنتج الذي يصل إلى المستهلك، وتعطل بعض القطع الإلكترونية أو عدم صلاحيتها للعمل.
كما تحدث عن حالات غش في الزيوت والمنظفات، تتضمن، بحسب قوله، التلاعب بالمادة الفعالة وإضافة مواد غير مناسبة، وعن منتجات تحمل بيانات لا تعكس طبيعتها الحقيقية.
ويحذر حبزة أيضاً من الإعلانات التي تعتمد على الأسعار المنخفضة بصورة لافتة أو الصور الجذابة لاستقطاب المشترين، ومن شراء المتابعين والإعجابات الوهمية لتعزيز الانطباع بأن الصفحة موثوقة.
وفيما يتعلق بالدفع المسبق، يرفض حبزة هذه الطريقة عندما لا تتوافر ضمانات واضحة للمستهلك، معتبراً أن استرداد المال قد يصبح أكثر صعوبة إذا اختفى البائع أو كانت هويته غير معروفة. ويشدد على أهمية الحصول على فاتورة رسمية والتحقق من بيانات البائع وسجله التجاري إن وجد، والاحتفاظ بما يثبت المعاملة.
ويدعو أمين سر الجمعية إلى إخضاع النشاط لرقابة حكومية أكثر وضوحاً، بحيث تخضع السلع للمتطلبات التي تفرضها الجهات المختصة بحسب طبيعتها. كما ينصح المستهلكين بالحذر عند شراء المنتجات التي قد تمس الصحة والسلامة، ولا سيما مستحضرات التجميل والمنظفات، والتحقق من مصدرها ومعلوماتها قبل الاستخدام.
وتوضح هذه التحذيرات أن مشكلات التسوق الإلكتروني لا تقتصر على تأخر وصول الطلب أو اختلاف المقاس؛ فقد تتعلق أيضاً بسلامة المنتج ومصدره. وهو ما يجعل الإفصاح عن هوية البائع، ومعلومات السلعة، وشروط البيع، عناصر أساسية في بناء الثقة بالسوق.
خبير قانوني: المحادثات والتحويلات قد تساعد في إثبات الحق
على المستوى القانوني، يؤكد المحامي والخبير القانوني أنس شقير، في تصريح لـ«العين السورية»، أن ممارسة النشاط التجاري بصورة منتظمة ومهنية عبر منصات التواصل لا تخرجه من الإطار القانوني لمجرد عدم وجود متجر فعلي. ويوضح أن الالتزامات المتعلقة بالتسجيل والترخيص تتحدد بحسب طبيعة النشاط والتشريعات النافذة، وأن مخالفة المتطلبات القانونية قد تعرض صاحب النشاط للمساءلة وفق نوع المخالفة والجهة المختصة.
أما عند وقوع نزاع، فيشير شقير إلى أن التشريعات السورية تعترف بحجية الكتابة والمعلومات الإلكترونية ضمن الشروط التي تحددها. وبناء على ذلك، يمكن للمحادثات عبر واتساب ومنصات التواصل والبريد الإلكتروني، إلى جانب إثباتات التحويل والبيانات المرتبطة بالمعاملة، أن تشكل عناصر إثبات أو قرائن قضائية.
لكن ذلك لا يعني أن لقطة الشاشة وحدها تحسم النزاع. فبحسب شقير، تتوقف القيمة الإثباتية على إمكانية التحقق من مصدر البيانات ونسبتها إلى أطراف المعاملة، وسلامتها من التعديل أو العبث، فضلاً عن تقدير المحكمة لبقية الأدلة والظروف المحيطة بالواقعة.
ويشير الخبير إلى قانون المعاملات الإلكترونية رقم 3 لعام 2014، والمرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 المتعلق بتنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية، ولا سيما المادة 25 المتعلقة بتقدير قيمة الدليل الرقمي. وعندما تستدعي القضية التحقق من صحة البيانات أو مصدرها، يمكن الاستعانة بالجهات المختصة والخبراء الفنيين وفق الإجراءات القانونية.
ويحدد شقير أبرز التحديات العملية في صعوبة معرفة هوية البائع ومكان ممارسته للنشاط، وإثبات المعاملة والوصول إلى الطرف الآخر إذا أغلق حسابه أو توقف عن الرد. لذلك يدعو إلى مزيد من التنظيم والتوضيح الإجرائي للتجارة عبر منصات التواصل، بما يحدد مسؤوليات البائع والمنصة والمستهلك، وآليات التحقق من الهوية وتقديم الشكاوى وحفظ الأدلة الرقمية.
وبالنسبة إلى المستهلك، يعني ذلك أن الاحتفاظ بالمحادثات كاملة، والإعلان الذي يوضح المنتج وسعره وموعد تسليمه، وإثبات التحويل، وأي بيانات متاحة عن هوية الوسيط، قد يساعد في إثبات المعاملة عند نشوء نزاع، لكنه لا يضمن وحده استرداد الأموال أو حسم القضية لصالحه.
تنظيم السوق دون إغلاق باب التجارة الإلكترونية
تتقاطع آراء اتحاد غرف التجارة وجمعية حماية المستهلك والخبير القانوني عند الحاجة إلى قواعد أوضح للتعاملات الإلكترونية، لكنها تركز على جوانب مختلفة: فالاتحاد يدعو إلى تنظيم يتيح نمو السوق وانتقالها تدريجياً إلى الاقتصاد الرسمي، وجمعية حماية المستهلك تشدد على سلامة السلع والفواتير ووضوح هوية البائع، بينما يلفت الخبير القانوني إلى أهمية الأدلة الرقمية وإجراءات الشكوى والمساءلة.
أما الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، فتوضح أن تصنيف البضائع والرسوم المترتبة عليها يخضع لطبيعة الشحنة وكميتها والتعرفة المعتمدة، في وقت لا تتوافر فيه بيانات دقيقة عن حجم المنتجات التي تدخل البلاد عبر التسوق الإلكتروني.
وتكشف هذه الصورة عن فجوات تتجاوز سلوك وسيط بعينه، من بينها غياب الإحصاءات الدقيقة عن السوق، والحاجة إلى توضيح متطلبات التسجيل والرقابة، ومسؤولية الأطراف عن الشحنات التي تجمع طلبات مستهلكين متعددين، والوسائل المتاحة لتقديم الشكاوى والوصول إلى البائع.
بالنسبة إلى المستهلك، قد تكون الأسعار وتنوع المنتجات وسهولة الطلب أسباباً كافية لاختيار هذه القنوات. لكن الثقة المبنية على عدد المتابعين والتعليقات لا تعوض الفاتورة أو الهوية الواضحة أو شروط البيع المعلنة. وبالنسبة إلى السوق، لا يعني التنظيم بالضرورة الحد من التجارة الإلكترونية، بل وضع قواعد تجعل مسؤولية كل طرف أكثر وضوحاً، وتمنح المشتري فرصة أفضل لإثبات حقه عندما لا تسير الصفقة كما وُعد بها.
ويبقى التحدي أمام الجهات المعنية هو الانتقال من سوق يعتمد في جانب منه على الثقة الشخصية والتفاهمات المباشرة إلى بيئة أكثر وضوحاً في هوية البائع، وشروط الدفع والتسليم، وحقوق الإرجاع والاستبدال، ومسارات الشكوى. فنجاح التسوق الإلكتروني لا يقاس بسهولة شراء المنتج فقط، بل أيضاً بقدرة المستهلك على معرفة حقوقه والجهة التي يمكنه الرجوع إليها إذا لم يحصل على ما دفع ثمنه.
لم يعد شراء الملابس ومستحضرات التجميل والإلكترونيات وغيرها من المنتجات المستوردة يتطلب زيارة المتاجر أو التعامل مباشرة مع المستوردين. فمن خلال صفحات فيسبوك وإنستغرام ووسائل التواصل الأخرى، يستطيع المستهلك في سوريا طلب منتجات من منصات التسوق الإلكتروني العالمية، بينها «شي إن»، وانتظار وصولها إلى منزله بعد أسابيع، مقابل أسعار قد تبدو منافسة وتشكيلة يصعب العثور عليها محلياً.
لكن سهولة الطلب لا تعني بالضرورة وضوح العلاقة التجارية. ففي بعض الحالات التي رصدتها «العين السورية» ميدانياً، يدفع المشتري جزءاً من المبلغ إلكترونياً قبل وصول المنتج، من دون الحصول على فاتورة أو معرفة العنوان التجاري للوسيط، فيما لا تكون شروط الإرجاع والاستبدال محددة كتابةً. وعندما يتأخر الطلب أو يصل بمقاس غير مناسب، يصبح الحل مرتبطاً بالتفاهم المباشر بين الطرفين.
هذه الممارسات لا تقتصر بالضرورة على وسيط أو منصة بعينها، كما أن «شي إن» ليست سوى نموذج ضمن سوق أوسع تتعدد فيه منصات التسوق الإلكتروني والصفحات التي تتولى تأمين المنتجات للمستهلكين. والسؤال الذي تطرحه هذه السوق ليس ما إذا كان الشراء عبر الإنترنت يوفر الوقت والخيارات فحسب، بل أيضاً: من يتحمل المسؤولية عندما تتعثر الصفقة، وكيف يستطيع المستهلك إثبات حقه؟
دفعة مسبقة وانتظار قد يصل إلى 45 يوماً
تكشف الجولة الميدانية التي أجرتها «العين السورية» على عدد من التعاملات مع وسطاء لطلب منتجات من الخارج أن الدفع يتم غالباً على دفعتين إلكترونياً: جزء مسبقاً، والباقي عند الاستلام. وتتراوح مدة الانتظار المعتادة بين 25 و30 يوماً، وقد امتدت في بعض الحالات إلى 45 يوماً، وفق مبررات قدمها الوسطاء تتعلق بتأخر الشحنة.
وفي الحالات التي شملها الرصد، لم يحصل المشترون على فواتير، ولم تتوافر سياسة مكتوبة وواضحة للإرجاع أو الاستبدال، كما كان العنوان التجاري للبائع غير معروف أو غير معلن في الغالب. وعند وجود خطأ في المقاس، لم يكن هناك مسار محدد سلفاً لمعالجة المشكلة، بل تفاهم مباشر مع الوسيط.
أما السعر، فقد طابق في بعض الحالات السعر الظاهر على منصة «شي إن»، أو زاد بنحو دولار واحد، في حين تراوحت تكلفة التوصيل داخل دمشق بين 25 ألفاً و30 ألف ليرة سورية قديمة، وفق الرصد الميداني.
ويعتمد المستهلك، في ظل غياب هذه المعلومات، على سمعة الصفحة وعدد متابعيها والتعليقات المنشورة عليها. لكن هذه المؤشرات، حتى عندما تعطي انطباعاً إيجابياً، لا تثبت وحدها أن البائع مسجل أو أن شروط البيع واضحة أو أن استرداد المبلغ سيكون ممكناً عند نشوء خلاف.
وتظهر المنتجات المستلمة أحياناً مصدرها أو علامتها، لكن ذلك لا يعني أن المشتري يعرف بالضرورة هوية الوسيط الذي تولى الطلب أو اسم البائع الأصلي وعنوانه. وفي المقابل، يلجأ المشترون إلى هذه الصفحات لما توفره من أسعار مناسبة أحياناً، وتشكيلة واسعة، ومنتجات يرون أن جودتها قد تكون أفضل من البدائل المتاحة محلياً.
وبذلك، لا تنبع جاذبية التسوق الإلكتروني من السعر وحده، بل من الجمع بين سهولة الوصول إلى المنتجات وتنوعها. غير أن هذه المزايا قد تقابلها فجوة في المعلومات والضمانات التي يحتاج إليها المستهلك إذا لم يصل الطلب أو لم يطابق المواصفات.
اتحاد غرف التجارة: البيع المنتظم نشاط تجاري حتى دون متجر
يرى عامر الحمصي، مدير اتحاد غرف التجارة السورية، في تصريح لـ«العين السورية»، أن ممارسة البيع بصورة منتظمة ولحساب الشخص عبر منصات التواصل الاجتماعي تُعد نشاطاً تجارياً، حتى في غياب متجر تقليدي، مشيراً إلى أن العبرة بطبيعة النشاط واستمراريته، لا بالوسيلة المستخدمة لممارسته.
ويضيف الحمصي أن قانون المعاملات الإلكترونية رقم 3 لعام 2014 نظم المعاملات والبيع عبر الوسائل الإلكترونية، فيما ترتبط متطلبات التسجيل والترخيص بطبيعة النشاط والتشريعات النافذة.
لكن حجم التجارة التي تجري عبر هذه القنوات لا يزال غير واضح إحصائياً. فبحسب الحمصي، لا تتوافر لدى الاتحاد أو الغرف التجارية بيانات دقيقة عن عدد الممارسين للتجارة الإلكترونية أو البائعين عبر منصات التواصل، ويعمل الاتحاد مع الغرف في المحافظات على بناء قاعدة بيانات موحدة. كما أن عدد الصفحات لا يعكس بالضرورة عدد التجار، إذ قد تمثل الصفحة نشاطاً تجارياً منظماً، أو عملاً فردياً محدوداً، أو وسيطاً لتأمين المنتجات.
ويشير الحمصي إلى انتشار البيع عبر فيسبوك وإنستغرام وواتساب، إلى جانب الطلب المسبق والوساطة لتأمين المنتجات من الخارج، بينما لا تزال المتاجر الإلكترونية المتخصصة محدودة نسبياً. ويصف السوق بأنها في مرحلة نمو وانتقال نحو التجارة المنظمة.
وتشمل التحديات، وفق الحمصي، إجراءات الاستيراد والرسوم والتخليص الجمركي، وتعدد حلقات الوساطة، وصعوبات الدفع الإلكتروني عبر الحدود، وتكاليف الشحن والتوصيل، فضلاً عن ضمان مطابقة المنتجات وخدمات ما بعد البيع.
ولا يرى اتحاد غرف التجارة أن الحل يكمن في الحد من التجارة الإلكترونية، بل في وضع إطار عملي ومبسط يساعد على انتقالها تدريجياً إلى الاقتصاد الرسمي، عبر التسجيل الميسر، وتعزيز حماية المستهلك، وتوضيح قواعد الاستيراد والدفع والتوصيل، وتشجيع وسائل الدفع الإلكتروني. ويرى الحمصي أن التنظيم يمكن أن يعزز المصداقية، ويوسع قاعدة التجار النظاميين، ويحسن البيانات المتاحة عن السوق.
الجمارك: متى تصبح المشتريات الشخصية ذات طابع تجاري؟
تتصل إحدى المسائل الأساسية في التسوق عبر الوسطاء بكيفية تصنيف البضائع الواردة من الخارج، خصوصاً عندما يجمع وسيط طلبات عدة مستهلكين في شحنة واحدة.
ويوضح مازن علوش، مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في تصريح لـ«العين السورية»، أن تحديد ما إذا كانت البضاعة ذات طابع شخصي أو تجاري يعتمد على طبيعتها وكميتها، وفق تقدير الكشاف الجمركي والمعايير المعتمدة.
ويقول علوش إن الطرود البريدية التي لا تحمل صفة تجارية كانت تخضع سابقاً لرسم مقطوع بنسبة 25%، بينما تطبق حالياً التعرفة الجمركية المعتمدة، وتُحدد الرسوم والضرائب وفق الوزن والبند الجمركي والتصنيف المعتمد للبضاعة.
وبحسب شرحه، تتناسب البضاعة الشخصية مع الاستخدام الفردي من حيث الكمية وطبيعة الأصناف، في حين قد يشير تكرار الأصناف والمقاسات أو وجود كميات متعددة إلى نشاط تجاري. وأشار إلى صدور تعميم يتضمن معايير، منها كمية البضاعة وحجمها، للمساعدة في التمييز بين الحالتين.
لكن الهيئة لا تتوافر لديها حالياً بيانات أو تقديرات محددة عن حجم الطرود التي تدخل سوريا وتضم منتجات مشتراة إلكترونياً، وفق علوش، إذ قد تصل هذه المنتجات عبر شركات الشحن أو مع المسافرين.
ويشرح أن تجميع طلبات عدة زبائن وإدخالها في شحنة واحدة يجري عادة عبر شركات الشحن، حيث يتعامل التاجر أو المستورد مع الشركة ضمن متطلبات تشمل بوليصة الشحن والفاتورة.
وتطرح هذه الآلية تساؤلات عملية حول مسؤولية الوسيط الذي يتولى تأمين المنتجات نيابة عن عدة مستهلكين، وكيفية تحديد الصفة الجمركية للشحنة والمسؤول عن الاستيراد والرسوم. وهي مسائل تزداد أهميتها مع انتشار الطلب المسبق والشراء بالوساطة، وتحتاج إلى توضيح الإجراءات المطبقة على هذه النماذج من التعاملات.
جمعية حماية المستهلك: المخاطر لا تتوقف عند تأخر الطلب
من جهته، يحذر عبد الرزاق حبزة، أمين سر جمعية حماية المستهلك، في تصريح لـ«العين السورية»، من أن التسوق الإلكتروني، رغم ما يوفره من سهولة في الوصول إلى المنتجات وتنوع الخيارات، ينطوي على مخاطر تتعلق بسلامة السلع ومطابقتها للمواصفات، فضلاً عن الإعلانات المضللة وصعوبة الرجوع إلى البائع عند وقوع مشكلة.
ويقول حبزة إن الجمعية تتلقى شكاوى تتعلق بمواد غذائية وصحية ومستحضرات تجميل ومنظفات وبعض القطع الإلكترونية، مشيراً إلى حالات تتعلق بجهالة المنشأ أو غياب بطاقة البيان الواضحة، إضافة إلى اختلاف المواصفات بين الإعلان والمنتج الذي يصل إلى المستهلك، وتعطل بعض القطع الإلكترونية أو عدم صلاحيتها للعمل.
كما تحدث عن حالات غش في الزيوت والمنظفات، تتضمن، بحسب قوله، التلاعب بالمادة الفعالة وإضافة مواد غير مناسبة، وعن منتجات تحمل بيانات لا تعكس طبيعتها الحقيقية.
ويحذر حبزة أيضاً من الإعلانات التي تعتمد على الأسعار المنخفضة بصورة لافتة أو الصور الجذابة لاستقطاب المشترين، ومن شراء المتابعين والإعجابات الوهمية لتعزيز الانطباع بأن الصفحة موثوقة.
وفيما يتعلق بالدفع المسبق، يرفض حبزة هذه الطريقة عندما لا تتوافر ضمانات واضحة للمستهلك، معتبراً أن استرداد المال قد يصبح أكثر صعوبة إذا اختفى البائع أو كانت هويته غير معروفة. ويشدد على أهمية الحصول على فاتورة رسمية والتحقق من بيانات البائع وسجله التجاري إن وجد، والاحتفاظ بما يثبت المعاملة.
ويدعو أمين سر الجمعية إلى إخضاع النشاط لرقابة حكومية أكثر وضوحاً، بحيث تخضع السلع للمتطلبات التي تفرضها الجهات المختصة بحسب طبيعتها. كما ينصح المستهلكين بالحذر عند شراء المنتجات التي قد تمس الصحة والسلامة، ولا سيما مستحضرات التجميل والمنظفات، والتحقق من مصدرها ومعلوماتها قبل الاستخدام.
وتوضح هذه التحذيرات أن مشكلات التسوق الإلكتروني لا تقتصر على تأخر وصول الطلب أو اختلاف المقاس؛ فقد تتعلق أيضاً بسلامة المنتج ومصدره. وهو ما يجعل الإفصاح عن هوية البائع، ومعلومات السلعة، وشروط البيع، عناصر أساسية في بناء الثقة بالسوق.
خبير قانوني: المحادثات والتحويلات قد تساعد في إثبات الحق
على المستوى القانوني، يؤكد المحامي والخبير القانوني أنس شقير، في تصريح لـ«العين السورية»، أن ممارسة النشاط التجاري بصورة منتظمة ومهنية عبر منصات التواصل لا تخرجه من الإطار القانوني لمجرد عدم وجود متجر فعلي. ويوضح أن الالتزامات المتعلقة بالتسجيل والترخيص تتحدد بحسب طبيعة النشاط والتشريعات النافذة، وأن مخالفة المتطلبات القانونية قد تعرض صاحب النشاط للمساءلة وفق نوع المخالفة والجهة المختصة.
أما عند وقوع نزاع، فيشير شقير إلى أن التشريعات السورية تعترف بحجية الكتابة والمعلومات الإلكترونية ضمن الشروط التي تحددها. وبناء على ذلك، يمكن للمحادثات عبر واتساب ومنصات التواصل والبريد الإلكتروني، إلى جانب إثباتات التحويل والبيانات المرتبطة بالمعاملة، أن تشكل عناصر إثبات أو قرائن قضائية.
لكن ذلك لا يعني أن لقطة الشاشة وحدها تحسم النزاع. فبحسب شقير، تتوقف القيمة الإثباتية على إمكانية التحقق من مصدر البيانات ونسبتها إلى أطراف المعاملة، وسلامتها من التعديل أو العبث، فضلاً عن تقدير المحكمة لبقية الأدلة والظروف المحيطة بالواقعة.
ويشير الخبير إلى قانون المعاملات الإلكترونية رقم 3 لعام 2014، والمرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 المتعلق بتنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية، ولا سيما المادة 25 المتعلقة بتقدير قيمة الدليل الرقمي. وعندما تستدعي القضية التحقق من صحة البيانات أو مصدرها، يمكن الاستعانة بالجهات المختصة والخبراء الفنيين وفق الإجراءات القانونية.
ويحدد شقير أبرز التحديات العملية في صعوبة معرفة هوية البائع ومكان ممارسته للنشاط، وإثبات المعاملة والوصول إلى الطرف الآخر إذا أغلق حسابه أو توقف عن الرد. لذلك يدعو إلى مزيد من التنظيم والتوضيح الإجرائي للتجارة عبر منصات التواصل، بما يحدد مسؤوليات البائع والمنصة والمستهلك، وآليات التحقق من الهوية وتقديم الشكاوى وحفظ الأدلة الرقمية.
وبالنسبة إلى المستهلك، يعني ذلك أن الاحتفاظ بالمحادثات كاملة، والإعلان الذي يوضح المنتج وسعره وموعد تسليمه، وإثبات التحويل، وأي بيانات متاحة عن هوية الوسيط، قد يساعد في إثبات المعاملة عند نشوء نزاع، لكنه لا يضمن وحده استرداد الأموال أو حسم القضية لصالحه.
تنظيم السوق دون إغلاق باب التجارة الإلكترونية
تتقاطع آراء اتحاد غرف التجارة وجمعية حماية المستهلك والخبير القانوني عند الحاجة إلى قواعد أوضح للتعاملات الإلكترونية، لكنها تركز على جوانب مختلفة: فالاتحاد يدعو إلى تنظيم يتيح نمو السوق وانتقالها تدريجياً إلى الاقتصاد الرسمي، وجمعية حماية المستهلك تشدد على سلامة السلع والفواتير ووضوح هوية البائع، بينما يلفت الخبير القانوني إلى أهمية الأدلة الرقمية وإجراءات الشكوى والمساءلة.
أما الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، فتوضح أن تصنيف البضائع والرسوم المترتبة عليها يخضع لطبيعة الشحنة وكميتها والتعرفة المعتمدة، في وقت لا تتوافر فيه بيانات دقيقة عن حجم المنتجات التي تدخل البلاد عبر التسوق الإلكتروني.
وتكشف هذه الصورة عن فجوات تتجاوز سلوك وسيط بعينه، من بينها غياب الإحصاءات الدقيقة عن السوق، والحاجة إلى توضيح متطلبات التسجيل والرقابة، ومسؤولية الأطراف عن الشحنات التي تجمع طلبات مستهلكين متعددين، والوسائل المتاحة لتقديم الشكاوى والوصول إلى البائع.
بالنسبة إلى المستهلك، قد تكون الأسعار وتنوع المنتجات وسهولة الطلب أسباباً كافية لاختيار هذه القنوات. لكن الثقة المبنية على عدد المتابعين والتعليقات لا تعوض الفاتورة أو الهوية الواضحة أو شروط البيع المعلنة. وبالنسبة إلى السوق، لا يعني التنظيم بالضرورة الحد من التجارة الإلكترونية، بل وضع قواعد تجعل مسؤولية كل طرف أكثر وضوحاً، وتمنح المشتري فرصة أفضل لإثبات حقه عندما لا تسير الصفقة كما وُعد بها.
ويبقى التحدي أمام الجهات المعنية هو الانتقال من سوق يعتمد في جانب منه على الثقة الشخصية والتفاهمات المباشرة إلى بيئة أكثر وضوحاً في هوية البائع، وشروط الدفع والتسليم، وحقوق الإرجاع والاستبدال، ومسارات الشكوى. فنجاح التسوق الإلكتروني لا يقاس بسهولة شراء المنتج فقط، بل أيضاً بقدرة المستهلك على معرفة حقوقه والجهة التي يمكنه الرجوع إليها إذا لم يحصل على ما دفع ثمنه.


