سوريا - سياسة
الرئيس الفرنسي في دمشق .. السياسة بوّابة أفق اقتصادي آخر
ا
العين السورية - ناظم عيد
نشر في: ٥ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٠٥
3 دقيقة

يبدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم غد الإثنين، زيارة رسمية إلى سوريا من المتوقع أن تشكل دفعاً جديداً للعلاقات السورية مع الغرب وليس مجرد فرنسا.
خصوصاً وأن العلاقات بين سوريا وفرنسا، تشهد تحولاً استراتيجياً نوعياً، ينتقل من عقود من الجمود السياسي، خلال حقبة النظام البائد إلى شراكة متعددة الأبعاد ترتكز على المصالح المشتركة في الأمن وإعادة الإعمار والنفوذ الإقليمي.
ويشكّل الجانب الاقتصادي المحرك الرئيسي لهذا الانفتاح، حيث وقعت شركة "سي إم إيه سي جي إم" الفرنسية عقداً لإدارة وتشغيل ميناء اللاذقية لمدة ثلاثين عاماً، باستثمارات أولية تبلغ 30 مليون يورو . ويسعى الطرفان لاستقطاب شركات فرنسية في قطاعات النقل والطاقة والاتصالات، وسط ترقب لرفع العقوبات الأوروبية تدريجياً .
فما الإضافات البنيوية التي سترسيها زيارة ماكرون إلى دمشق، وما المسارات التي ستؤسس عليها ارتسامات العلاقة بأبعادها كافة؟
تزامن مع استحقاق سوري بارز
يرى المستشار الاقتصادي والأستاذ في جامعة دمشق الدكتور زياد عربش، أن الزيارة تشكل محطة فارقة في مسار العلاقات الثنائية، بل وفي إعادة تشكيل خريطة النفوذ الأوروبي في الشرق الأوسط برمته.
فالزيارة، بشقيها السياسي والاقتصادي، تأتي وفق الدكتور عربش في حديثه لـ " العين السورية"، في مرحلة دقيقة تستوجب قراءة متعمقة لتشابك الملفات على أكثر من صعيد.
ويُلفت د. عربش إلى نقطة هامة وهي أن زيارة ماكرون تأتي في يوم بالغ الأهمية في المشهد السياسي السوري الداخلي، إذ تتزامن مع انطلاق أولى جلسات مجلس الشعب، حيث من المفترض أن يلقي الرئيس الشرع خطاباً توجيهياُ، وهذا التزامن ليس مجرد صدفة بروتوكولية، بل يحمل دلالة رمزية عميقة..
ففرنسا، التي كانت من أولى الدول الأوروبية التي انخرطت دبلوماسياً مع دمشق بعد التحرير، تختار أن تكون حاضرة في اللحظة التي تشرع فيها المؤسسات السورية الجديدة في أداء مهامها. وأهمية الزيارة تكمن في أنها تأتي مع بدء استقرار مؤسسات الدولة السورية و اعتراف فرنسي ضمني بأن سوريا دخلت مرحلة جديدة لا يمكن تجاهلها ولابد من مؤازرتها.
بعد قطيعة وضياع فُرص
لكن الطريق إلى هذه الزيارة كان طويلاً وشاقاً. بعد قطيعة استمرت منذ اندلاع حرب النظام البائد على شعبه في ٢٠١١ لغاية سقوطه، ظلت خلالها سوريا معزولة عن الاقتصاد العالمي، بعد أن كانت في تسعينيات القرن الماضي تسعى للاندماج في النظام الاقتصادي الدولي.
هنا يُلفت المستشار عربش إلى أن الأكثر إيلاماً أن سوريا بقيت "يتيمة" الدولة التي كانت حليفة للاتحاد السوفيتي، وذلك رغم محاولات الرئيس الفرنسي الأسبق شيراك دمجها عبر اتفاقيات الشراكة الأوروبية – المتوسطية.. لكن حدث استشهاد رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري عام ٢٠٠٥ فاقم القطيعة وعمق عزلة دمشق عن الغرب، قبل أن يحاول الرئيس ساركوزي لاحقاً فتح قنوات تواصل مع النظام السوري، لكن المحاولات باءت بالفشل في ظل تعقيدات الملف السوري وتشعب أزمات النظام آنذاك.
أي بدايات لاقتصاد تشاركي؟
اليوم، تتصدر الأولوية الاقتصادية أي علاقات متينة بين الدول، وهذا يفتح بوابة التساؤلات عن الأبعاد الاقتصادية في زيارة ماكرون لدمشق؟
يرى المستشار عربش، أن ثمة أفق اقتصادي واسع سيُصار إلى محاولة بلورته وبالخطوط العريضة، إذ يرافق ماكرون وفد وزاري وكبير من رجال الأعمال. وتأتي هذه الزيارة بعد سلسلة من اللقاءات التحضيرية ركزت على القطاع المالي والمصرفي، إذ ناقش حاكم مصرف سورية المركزي مع وفد فرنسي رفيع مشاريع للتعاون المالي والمصرفي تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتطوير الأنظمة المالية وبناء القدرات المؤسسية. كما بحث الجانبان إعادة فتح حساب المصرف المركزي السوري في فرنسا، وهي خطوة حاسمة لتسهيل المعاملات المالية وتعزيز القنوات المصرفية مع المؤسسات الأوروبية. وهذا الانفتاح المصرفي هو البوابة لدمج سورية مجدداً في النظام المالي العالمي بعد سنوات من العزلة.
ربط إقليمي
لكن بالتأكيد، الطموحات لا تتوقف عند القطاع المصرفي، فهناك حديث عن مشاريع كبرى للربط الإقليمي، تهدف إلى ربط البصرة بطرطوس وطرابلس وبيروت، وتأمين خطوط إمداد من جنوب أوروبا الغربية باتجاه دول الخليج، استيراداً وتصديراً. وتأتي هذه المشاريع في سياق رؤية فرنسية أوسع لمنطقة شرق المتوسط، حيث تسعى باريس إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتأمين طرق الطاقة والتجارة البحرية، مما يجعل من سوريا جزءاً من معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز حدودها الوطنية. ولا يمكن هنا تجاهل دور تركيا، الحليف الاستراتيجي لفرنسا في الناتو، والتي تشكل محوراً أساسياً في أي ترتيبات إقليمية تمس الممرات التجارية والاستقرار في شمال سورية.
بنى تحتية وتكنولوجيا
إذا كانت زيارة ماكرون تحمل في طياتها رسالة سياسية واضحة، وجوهرها اقتصادي، ما هي المحاور الأساسية المفترضة في مضمار الاقتصاد ومساراته.
هنا يرى د. عربش أن البعد الاقتصادي يُفترض أن يرتكز على محورين استراتيجيين متلازمين: إعادة بناء البنى التحتية السورية وفق أحدث المعايير، ونقل التقانات المتقدمة التي تؤهل الاقتصاد السوري للقفز فوق مراحل التخلف التكنولوجي.
فباريس تدرك أن سوريا ليست بحاجة إلى إعادة إعمار تقليدي فحسب، بل إلى تحديث جذري يمكنها من الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، وهذا ما يفسر اصطحاب ماكرون لوفد يضم مسؤولي كبرى الشركات الفرنسية المتخصصة في الطاقة والبنية التحتية والنقل.
الموانئ وبوابات العبور
في طليعة المشاريع التي يفترض ان تتراس الاولويات، يأتي قطاع النقل والخدمات اللوجستية. فالاتفاقية التاريخية التي وقعتها الحكومة السورية مع مجموعة "CMA CGM" الفرنسية العملاقة للخدمات اللوجستية، لتطوير وتشغيل محطة الحاويات في ميناء اللاذقية لمدة ٣٠ عاماً، تمثل أكثر من مجرد عقد استثماري.
وهي مايراه الدكتور عربش، اختباراً حقيقياً لقدرة "سوريا الجديدة" على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إذ تشمل المرحلة الأولى ضخ استثمارات أولية بقيمة ٣٠ مليون يورو لتطوير البنية التحتية، تليها استثمارات إضافية بقيمة ٢٠٠ مليون يورو في السنوات الثلاث التالية. لكن الأهم هو إدخال أنظمة التشغيل الحديثة والتقنيات التي تعتمدها الشركة في موانئها العالمية، مع تدريب الكوادر السورية على أحدث النظم التشغيلية. ولا تتوقف الطموحات عند اللاذقية، إذ تشمل مذكرات التفاهم إنشاء وتشغيل موانئ جافة في المنطقة الحرة السورية - الأردنية المشتركة ومنطقة عدرا بريف دمشق، لتربط الموانئ البحرية بالمناطق الداخلية عبر شبكة سكك حديدية حديثة.
النقل البري والجوي
ومن المفترض أن يمتد التعاون ليشمل إعادة تأهيل شبكة الطرق والجسور التي دمرتها الحرب، إذ ناقش الجانبان الاتفاقية الشاملة لتأهيل 32 جسراً في عموم البلاد، مع التشديد على تطبيق أحدث التقنيات في مشاريع النقل لضمان الكفاءة والجودة وتسريع الإنجاز. وفي قطاع الطيران المدني، تتصدر محادثات تعزيز الشراكة مع شركة "إيرباص" الفرنسية لتبادل الخبرات وتطوير منظومة الطيران المدني بما يتوافق مع المتطلبات التقنية والتشغيلية الحديثة. وهذه المشاريع، التي ناقشها وزير النقل السوري مع القائم بالأعمال الفرنسي في دمشق، تهدف إلى تحويل سوريا من دولة منهكة الحرب إلى ممر عبور إقليمي يربط جنوب أوروبا الغربية بدول الخليج، استيراداً وتصديراً، وهو ما يتكامل مع الرؤية الفرنسية الأوسع لمنطقة شرق المتوسط.
الاستكشاف البحري والتحول الطاقوي
في قطاع الطاقة، تتجاوز الرؤية الفرنسية مجرد تأمين الإمدادات إلى الشراكة في الاستكشاف والإنتاج. فشركة "توتال إنرجي" الفرنسية العملاقة وقعت مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول، إلى جانب "كونوكو فيليبس" و"قطر للطاقة"، للاستكشاف في المنطقة البحرية قبالة سواحل اللاذقية (البلوك 3). وهذه الخطوة، التي تمثل أول دفع استكشافي بحري رسمي، تهدف إلى تعزيز معدلات الإنتاج الوطني وتحديث البنية التحتية التقنية والقدرات التشغيلية لقطاع البترول عبر جلب التقنيات العالمية. وبالتوازي، ثمة اهتمام فرنسي بمشاريع الطاقة المتجددة، إذ تشمل الخطط السورية توليد ٢٥٠٠ ميغاواط من الطاقة الشمسية و١٥٠٠ ميغاواط من طاقة الرياح بحلول ٢٠٣٠، وهو مجال تمتلك فيه الشركات الفرنسية خبرات متراكمة يمكن أن تسهم في تنويع مزيج الطاقة السوري وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
قفزة نحو المستقبل
الرهان الأكبر ربما يكمن في المجال الرقمي والتقانات المتقدمة. فقد ناقش المنتدى السوري - الفرنسي الذي جمع ٤٠ شركة فرنسية متخصصة في التحول الرقمي والتعليم والبنية التحتية، مشاريع استثمارية مشتركة في مجالات الاتصالات والبنية التحتية للمعلومات. وتتضمن الرؤية الأفكار المطروحة تطوير شبكة الألياف البصرية الوطنية وإنشاء مراكز بيانات، تمهيداً لنقل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة (الذكاء الاصطناعي، إنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة) إلى القطاع الصناعي السوري. وهنا تكمن المفارقة التاريخية: فبينما ضاع على سوريا عقد كامل من الاندماج في الاقتصاد العالمي، يمكن لفرنسا اليوم أن تقدم فرصة للتعويض ليس عبر استنساخ الماضي، بل بالانتقال المباشر إلى اقتصاد المعرفة، شرط أن ترافق الإرادة السياسية الاستقرار المؤسساتي والقانوني الجاذب للاستثمارات.


