سوريا - مجتمع
البطالة بين تضارب الأرقام وتحديات توفير فرص العمل
بين تقديرات متباينة للبطالة ومحدودية البيانات الحديثة، تسعى سوريا إلى بناء قاعدة إحصائية تكشف واقع سوق العمل وتساعد في توجيه سياسات التشغيل خلال مرحلة التعافي الاقتصادي.
ن
نورا حربا
نشر في: ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٣١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
لا يقتصر التحدي الذي يواجه سوق العمل في سوريا على ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص التشغيل، بل يمتد إلى محدودية البيانات الحديثة التي تحدد حجم المشكلة وأسبابها، وتكشف طبيعة الوظائف المتاحة ومدى قدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب الباحثين عن عمل. وبين تقديرات متباينة لمعدلات البطالة، وتوقعات بالتعافي الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى مؤشرات إحصائية دقيقة تساعد في رسم سياسات تشغيل تستند إلى الواقع، لا إلى التقديرات العامة.
مسح للقوى العاملة
وفي هذا السياق، بدأت هيئة التخطيط والإحصاء تنفيذ مسح للقوى العاملة في مختلف المحافظات السورية، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، في خطوة تستهدف تحديث بيانات سوق العمل وتحديد حجم القوى العاملة وتوزعها الديموغرافي والاقتصادي، ورصد العوامل المرتبطة بالبطالة، والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية.
قاعدة بيانات موثوقة
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد في حديثه للعين السورية أن أهمية هذه الخطوة تكمن في توفير قاعدة بيانات موثوقة يمكن الاستناد إليها لفهم واقع سوق العمل، وتحديد الفئات الأكثر تأثراً بالبطالة، وربط السياسات الاقتصادية بقدرتها الفعلية على توفير فرص عمل.
أرقام متباينة وبيانات تحتاج إلى التحديث
تُظهر التقديرات المتداولة بشأن البطالة في سوريا تفاوتاً يستدعي التدقيق في مصادر الأرقام ومنهجيات احتسابها، ولا سيما مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025، التي أوردها تقرير حكومي بريطاني عن الوضع الإنساني في سوريا في حزيران 2026، بلغ معدل البطالة 13.6%، فيما وصل معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 33.1%.
في المقابل، أورد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صدر في شباط 2025 واستند إلى مسح القوى العاملة السوري لعام 2024، معدل بطالة إجمالياً بلغ 12.9%. ويعكس اختلاف الأرقام ضرورة التمييز بين التقديرات الصادرة عن جهات مختلفة، والفترات الزمنية التي تغطيها، والتعريفات الإحصائية المعتمدة في احتساب البطالة.
معدلات أعلى للبطالة
ويشير الدكتور محمد إلى أن بعض التقارير تحدثت عن معدلات أعلى للبطالة، وصلت إلى نحو 24% في عام 2024، فيما تجاوزت تقديرات أخرى 13.6% في عام 2025، مع تسجيل معدلات مرتفعة بين الشباب. لكن هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها باعتبارها مؤشراً واحداً متجانساً من دون التحقق من مصادرها ومنهجياتها والفئات التي تشملها.
وتزداد أهمية هذا التدقيق في ظل الحاجة إلى معرفة ليس فقط عدد العاطلين عن العمل، وإنما أيضاً طبيعة الأعمال المتاحة، ومدى استقرارها، وحجم العمالة غير المنظمة، والفئات التي تواجه صعوبات أكبر في دخول سوق العمل.
مسح وطني يشمل مختلف المحافظات
في 23 تشرين الأول الجاري، أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء بدء تنفيذ مسح القوى العاملة في مختلف المحافظات السورية لمدة 45 يوماً، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وكانت الهيئة قد أعلنت في تموز الماضي أن المسح سيشمل عينة تضم 37,800 أسرة، بهدف توفير مؤشرات عن واقع القوى العاملة والبطالة والعمالة غير المنظمة وعمالة الأطفال.
ويعتمد المسح المعايير الفنية الدولية الصادرة عن المؤتمر الدولي لإحصائيي العمل، المعروفة اختصاراً بـ«ICLS-21»، بما يتيح جمع بيانات أكثر دقة وموثوقية، ويساعد على مقارنة المؤشرات الناتجة عنها بالمؤشرات المعتمدة دولياً.
وأكدت الهيئة أن البيانات التي تجمعها الفرق الميدانية سرية ومخصصة للأغراض الإحصائية، ودعت الأسر إلى التعاون والإجابة عن الأسئلة بدقة، بما يضمن جودة النتائج.
حاجة لتحديث المؤشرات
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من الانقطاع عن إجراء مسوح منتظمة للقوى العاملة، الأمر الذي زاد الحاجة إلى تحديث المؤشرات المتعلقة بأعداد العاملين والمتعطلين عن العمل، وتوزعهم بحسب المحافظات والقطاعات والفئات العمرية.
غير أن أهمية المسح لا تتوقف عند إعلان معدل جديد للبطالة، بل تمتد إلى ما يمكن أن توفره نتائجه من تفاصيل تساعد في تحديد أسباب التعطل، وقياس مشاركة النساء والشباب في سوق العمل، ومعرفة حجم العمل غير المنظم، وتحديد القطاعات التي تحتاج إلى عمالة إضافية.
وحتى الآن، لم تُعلن النتائج النهائية للمسح الجاري، ما يعني أن تقديراته ستبقى بحاجة إلى انتظار اكتمال جمع البيانات وتحليلها ونشر المؤشرات الرسمية.
من يُحتسب عاطلاً عن العمل؟
يشدد الخبير محمد على ضرورة اعتماد تعريف إحصائي واضح للبطالة، وعدم الخلط بين الأشخاص الذين لا يعملون وبين العاطلين عن العمل وفق المعايير المعتمدة.
فليس كل شخص لا يمارس عملاً يُصنف تلقائياً ضمن العاطلين؛ إذ تعتمد الإحصاءات معايير محددة تتعلق بوضع الشخص في سوق العمل، وبحثه عن فرصة عمل، ومدى استعداده للالتحاق بها. ولذلك، لا يُدرج الطلاب أو المتقاعدون تلقائياً ضمن العاطلين إذا لم يستوفوا شروط التعريف الإحصائي المعتمد.
ويؤكد هذا التمييز على حد تعبيره أهمية معرفة حجم القوى العاملة الفعلية، وعدد المشتغلين والمتعطلين، إلى جانب دراسة خصائصهم بحسب العمر والجنس والقطاع الاقتصادي وطبيعة العمل.
كما أن تحديد عدد العاطلين وحده لا يكفي لفهم واقع التشغيل؛ إذ ينبغي التمييز بين العمل المستقر والعمل المؤقت والموسمي، وبين الوظائف المنظمة والأعمال غير المنظمة، فضلاً عن معرفة مدى كفاية الدخل المتحقق من العمل لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ومن هنا، فإن المسح الوطني يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء صورة أكثر وضوحاً عن سوق العمل السوري، شرط أن تُنشر نتائجه بصورة مفصلة، وأن تتحول إلى أساس لخطط تشغيل قابلة للقياس والمتابعة.
النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة زيادة فرص العمل
من أبرز المسائل التي يلفت إليها الدكتور محمد ضرورة عدم الربط المباشر بين معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدل نمو فرص العمل، فارتفاع الناتج الاقتصادي بنسبة معينة لا يعني أن عدد الوظائف سيزداد بالنسبة نفسها.
ويوضح أن أثر النمو في التشغيل يرتبط بطبيعة القطاعات التي تحقق هذا النمو، ومدى اعتمادها على العمالة، وقدرتها على استيعاب أعداد جديدة من العاملين.
فقد تسجل بعض القطاعات نمواً اقتصادياً ملحوظاً من دون أن توفر عدداً كبيراً من الوظائف، في حين تستطيع قطاعات أخرى، تعتمد بدرجة أكبر على العمالة، توفير فرص تشغيل أوسع حتى مع معدلات نمو أقل.
وبالتالي، فإن الحديث عن تعافٍ اقتصادي أو ارتفاع متوقع في الناتج المحلي الإجمالي والكلام للخبير محمد لا يكفي وحده للحكم على تحسن واقع سوق العمل، ما لم يترافق مع مؤشرات تظهر عدد الوظائف الجديدة، ونوعيتها، ومدى استقرارها، والفئات التي تستفيد منها.
إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية
وتزداد أهمية هذه المسألة في سوريا، حيث تتطلب مرحلة التعافي إعادة تنشيط قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص عمل، بالتوازي مع معالجة التحديات التي تواجه المشروعات القائمة، وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج.
كما أن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب العمالة يحتاج إلى بيانات دقيقة عن المهارات المتوافرة، والاحتياجات الفعلية للمنشآت، والفجوات بين مخرجات التعليم والتدريب ومتطلبات سوق العمل.
من جمع البيانات إلى سياسات التشغيل
يمثل مسح القوى العاملة خطوة ضرورية لفهم واقع البطالة والتشغيل في سوريا، لكن قيمته الفعلية ستتحدد بمدى الاستفادة من نتائجه في صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة.
فالمؤشرات الدقيقة يمكن أن تساعد في تحديد القطاعات التي تحتاج إلى عمالة، والفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على فرص عمل، والمهارات التي ينبغي تطويرها، بما يتيح توجيه برامج التدريب والاستثمار نحو احتياجات حقيقية.
كما يمكن أن تسهم البيانات في قياس أثر السياسات الاقتصادية على التشغيل، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات النمو العام، إذ إن التعافي لا ينعكس بالضرورة على حياة المواطنين ما لم يتحول إلى فرص عمل ودخل أكثر استقراراً.
استمرار المسوح الاحصائية
ويبرز هنا دور استمرار المسوح الإحصائية وتحديثها دورياً، لأن بيانات سوق العمل تتغير بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن الاعتماد على مؤشرات قديمة لرسم سياسات تستهدف واقعاً متبدلاً.
وفي ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء قاعدة بيانات موثوقة تربط بين النمو الاقتصادي والتشغيل، وتحدد الفجوات في سوق العمل، وتساعد في توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق الوظائف.
فالمعيار الحقيقي للتعافي لا يقتصر على تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة، بل يشمل أيضاً قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل فعلية ومستقرة، واستيعاب الشباب والباحثين عن عمل، وتحسين مصادر دخل الأسر. ومن هنا، فإن نجاح المسح الوطني لن يُقاس فقط بالأرقام التي سيكشفها، وإنما بمدى تحول هذه الأرقام إلى سياسات تشغيل تستجيب لاحتياجات السوريين.
لا يقتصر التحدي الذي يواجه سوق العمل في سوريا على ارتفاع معدلات البطالة وتراجع فرص التشغيل، بل يمتد إلى محدودية البيانات الحديثة التي تحدد حجم المشكلة وأسبابها، وتكشف طبيعة الوظائف المتاحة ومدى قدرة القطاعات الاقتصادية على استيعاب الباحثين عن عمل. وبين تقديرات متباينة لمعدلات البطالة، وتوقعات بالتعافي الاقتصادي، تبرز الحاجة إلى مؤشرات إحصائية دقيقة تساعد في رسم سياسات تشغيل تستند إلى الواقع، لا إلى التقديرات العامة.
مسح للقوى العاملة
وفي هذا السياق، بدأت هيئة التخطيط والإحصاء تنفيذ مسح للقوى العاملة في مختلف المحافظات السورية، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، في خطوة تستهدف تحديث بيانات سوق العمل وتحديد حجم القوى العاملة وتوزعها الديموغرافي والاقتصادي، ورصد العوامل المرتبطة بالبطالة، والتنبؤ بالاحتياجات المستقبلية.
قاعدة بيانات موثوقة
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور علي محمد في حديثه للعين السورية أن أهمية هذه الخطوة تكمن في توفير قاعدة بيانات موثوقة يمكن الاستناد إليها لفهم واقع سوق العمل، وتحديد الفئات الأكثر تأثراً بالبطالة، وربط السياسات الاقتصادية بقدرتها الفعلية على توفير فرص عمل.
أرقام متباينة وبيانات تحتاج إلى التحديث
تُظهر التقديرات المتداولة بشأن البطالة في سوريا تفاوتاً يستدعي التدقيق في مصادر الأرقام ومنهجيات احتسابها، ولا سيما مع التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية لعام 2025، التي أوردها تقرير حكومي بريطاني عن الوضع الإنساني في سوريا في حزيران 2026، بلغ معدل البطالة 13.6%، فيما وصل معدل بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 33.1%.
في المقابل، أورد تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صدر في شباط 2025 واستند إلى مسح القوى العاملة السوري لعام 2024، معدل بطالة إجمالياً بلغ 12.9%. ويعكس اختلاف الأرقام ضرورة التمييز بين التقديرات الصادرة عن جهات مختلفة، والفترات الزمنية التي تغطيها، والتعريفات الإحصائية المعتمدة في احتساب البطالة.
معدلات أعلى للبطالة
ويشير الدكتور محمد إلى أن بعض التقارير تحدثت عن معدلات أعلى للبطالة، وصلت إلى نحو 24% في عام 2024، فيما تجاوزت تقديرات أخرى 13.6% في عام 2025، مع تسجيل معدلات مرتفعة بين الشباب. لكن هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها باعتبارها مؤشراً واحداً متجانساً من دون التحقق من مصادرها ومنهجياتها والفئات التي تشملها.
وتزداد أهمية هذا التدقيق في ظل الحاجة إلى معرفة ليس فقط عدد العاطلين عن العمل، وإنما أيضاً طبيعة الأعمال المتاحة، ومدى استقرارها، وحجم العمالة غير المنظمة، والفئات التي تواجه صعوبات أكبر في دخول سوق العمل.
مسح وطني يشمل مختلف المحافظات
في 23 تشرين الأول الجاري، أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء بدء تنفيذ مسح القوى العاملة في مختلف المحافظات السورية لمدة 45 يوماً، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وكانت الهيئة قد أعلنت في تموز الماضي أن المسح سيشمل عينة تضم 37,800 أسرة، بهدف توفير مؤشرات عن واقع القوى العاملة والبطالة والعمالة غير المنظمة وعمالة الأطفال.
ويعتمد المسح المعايير الفنية الدولية الصادرة عن المؤتمر الدولي لإحصائيي العمل، المعروفة اختصاراً بـ«ICLS-21»، بما يتيح جمع بيانات أكثر دقة وموثوقية، ويساعد على مقارنة المؤشرات الناتجة عنها بالمؤشرات المعتمدة دولياً.
وأكدت الهيئة أن البيانات التي تجمعها الفرق الميدانية سرية ومخصصة للأغراض الإحصائية، ودعت الأسر إلى التعاون والإجابة عن الأسئلة بدقة، بما يضمن جودة النتائج.
حاجة لتحديث المؤشرات
وتأتي هذه الخطوة بعد سنوات من الانقطاع عن إجراء مسوح منتظمة للقوى العاملة، الأمر الذي زاد الحاجة إلى تحديث المؤشرات المتعلقة بأعداد العاملين والمتعطلين عن العمل، وتوزعهم بحسب المحافظات والقطاعات والفئات العمرية.
غير أن أهمية المسح لا تتوقف عند إعلان معدل جديد للبطالة، بل تمتد إلى ما يمكن أن توفره نتائجه من تفاصيل تساعد في تحديد أسباب التعطل، وقياس مشاركة النساء والشباب في سوق العمل، ومعرفة حجم العمل غير المنظم، وتحديد القطاعات التي تحتاج إلى عمالة إضافية.
وحتى الآن، لم تُعلن النتائج النهائية للمسح الجاري، ما يعني أن تقديراته ستبقى بحاجة إلى انتظار اكتمال جمع البيانات وتحليلها ونشر المؤشرات الرسمية.
من يُحتسب عاطلاً عن العمل؟
يشدد الخبير محمد على ضرورة اعتماد تعريف إحصائي واضح للبطالة، وعدم الخلط بين الأشخاص الذين لا يعملون وبين العاطلين عن العمل وفق المعايير المعتمدة.
فليس كل شخص لا يمارس عملاً يُصنف تلقائياً ضمن العاطلين؛ إذ تعتمد الإحصاءات معايير محددة تتعلق بوضع الشخص في سوق العمل، وبحثه عن فرصة عمل، ومدى استعداده للالتحاق بها. ولذلك، لا يُدرج الطلاب أو المتقاعدون تلقائياً ضمن العاطلين إذا لم يستوفوا شروط التعريف الإحصائي المعتمد.
ويؤكد هذا التمييز على حد تعبيره أهمية معرفة حجم القوى العاملة الفعلية، وعدد المشتغلين والمتعطلين، إلى جانب دراسة خصائصهم بحسب العمر والجنس والقطاع الاقتصادي وطبيعة العمل.
كما أن تحديد عدد العاطلين وحده لا يكفي لفهم واقع التشغيل؛ إذ ينبغي التمييز بين العمل المستقر والعمل المؤقت والموسمي، وبين الوظائف المنظمة والأعمال غير المنظمة، فضلاً عن معرفة مدى كفاية الدخل المتحقق من العمل لتلبية الاحتياجات الأساسية.
ومن هنا، فإن المسح الوطني يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء صورة أكثر وضوحاً عن سوق العمل السوري، شرط أن تُنشر نتائجه بصورة مفصلة، وأن تتحول إلى أساس لخطط تشغيل قابلة للقياس والمتابعة.
النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة زيادة فرص العمل
من أبرز المسائل التي يلفت إليها الدكتور محمد ضرورة عدم الربط المباشر بين معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ومعدل نمو فرص العمل، فارتفاع الناتج الاقتصادي بنسبة معينة لا يعني أن عدد الوظائف سيزداد بالنسبة نفسها.
ويوضح أن أثر النمو في التشغيل يرتبط بطبيعة القطاعات التي تحقق هذا النمو، ومدى اعتمادها على العمالة، وقدرتها على استيعاب أعداد جديدة من العاملين.
فقد تسجل بعض القطاعات نمواً اقتصادياً ملحوظاً من دون أن توفر عدداً كبيراً من الوظائف، في حين تستطيع قطاعات أخرى، تعتمد بدرجة أكبر على العمالة، توفير فرص تشغيل أوسع حتى مع معدلات نمو أقل.
وبالتالي، فإن الحديث عن تعافٍ اقتصادي أو ارتفاع متوقع في الناتج المحلي الإجمالي والكلام للخبير محمد لا يكفي وحده للحكم على تحسن واقع سوق العمل، ما لم يترافق مع مؤشرات تظهر عدد الوظائف الجديدة، ونوعيتها، ومدى استقرارها، والفئات التي تستفيد منها.
إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية
وتزداد أهمية هذه المسألة في سوريا، حيث تتطلب مرحلة التعافي إعادة تنشيط قطاعات إنتاجية قادرة على توفير فرص عمل، بالتوازي مع معالجة التحديات التي تواجه المشروعات القائمة، وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج.
كما أن توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب العمالة يحتاج إلى بيانات دقيقة عن المهارات المتوافرة، والاحتياجات الفعلية للمنشآت، والفجوات بين مخرجات التعليم والتدريب ومتطلبات سوق العمل.
من جمع البيانات إلى سياسات التشغيل
يمثل مسح القوى العاملة خطوة ضرورية لفهم واقع البطالة والتشغيل في سوريا، لكن قيمته الفعلية ستتحدد بمدى الاستفادة من نتائجه في صياغة سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة.
فالمؤشرات الدقيقة يمكن أن تساعد في تحديد القطاعات التي تحتاج إلى عمالة، والفئات التي تواجه صعوبات في الحصول على فرص عمل، والمهارات التي ينبغي تطويرها، بما يتيح توجيه برامج التدريب والاستثمار نحو احتياجات حقيقية.
كما يمكن أن تسهم البيانات في قياس أثر السياسات الاقتصادية على التشغيل، بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات النمو العام، إذ إن التعافي لا ينعكس بالضرورة على حياة المواطنين ما لم يتحول إلى فرص عمل ودخل أكثر استقراراً.
استمرار المسوح الاحصائية
ويبرز هنا دور استمرار المسوح الإحصائية وتحديثها دورياً، لأن بيانات سوق العمل تتغير بتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن الاعتماد على مؤشرات قديمة لرسم سياسات تستهدف واقعاً متبدلاً.
وفي ظل التحديات التي تواجه الاقتصاد السوري، تبدو الحاجة ملحة إلى بناء قاعدة بيانات موثوقة تربط بين النمو الاقتصادي والتشغيل، وتحدد الفجوات في سوق العمل، وتساعد في توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر قدرة على خلق الوظائف.
فالمعيار الحقيقي للتعافي لا يقتصر على تحسن المؤشرات الاقتصادية العامة، بل يشمل أيضاً قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل فعلية ومستقرة، واستيعاب الشباب والباحثين عن عمل، وتحسين مصادر دخل الأسر. ومن هنا، فإن نجاح المسح الوطني لن يُقاس فقط بالأرقام التي سيكشفها، وإنما بمدى تحول هذه الأرقام إلى سياسات تشغيل تستجيب لاحتياجات السوريين.


