سوريا - اقتصاد
الاقتصاد الخام يُبدّد عائدات من ذهب في أخصب محافظة سورية
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ٢١ مايو ٢٠٢٦، ١١:٣٢
3 دقيقة
4

على الرغم من أن الزراعة ما تزال تشكل العمود الفقري للاقتصاد الريفي في محافظة درعا، إلا أن غياب حلقات التصنيع الغذائي المتكاملة يُشتت العائد ويتسبب بفوات منفعة كبير. بل يُفاقم من خسائر المزارعين إذ تتكدس المحاصيل وتنخفض أسعارها بشكل حاد ما يدفع الكثيرين إلى البيع بخسارة أو تصريف إنتاجهم بسرعة خوفاً من التلف.
تنوع وغزارة
يؤكد رئيس اتحاد الفلاحين بدرعا فؤاد الحريري أن المحافظة تمتلك تنوعاً زراعياً واسعاً يشمل البندورة والفول والبازلاء والحمص والرمان والخيار وغيره من المحاصيل الأخرى، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في بيع هذه المحاصيل بشكل خام دون تصنيع أو تخزين.
ويرى أن الحل لا يكمن في زيادة الإنتاج فقط بل في الانتقال إلى اقتصاد التصنيع الغذائي، عبر تحويل المحاصيل إلى منتجات ذات قيمة مضافة مثل رب البندورة والكاتشب ودبس الرمان والعصائر.
ويشير الحريري في حديثه لـ " العين السورية، إلى أن محصول الرمان، مثلاً، يمكن أن يتحول إلى عدة لترات من العصير بقيمة أعلى بكثير من بيعه كمادة خام، ما يفتح المجال أمام مشاريع صغيرة ومتوسطة قادرة على رفع دخل الفلاحين واستقرار القطاع الزراعي.
بيئة إنتاجية واعدة

يبين مدير زراعة درعا المهندس عاهد الزعبي، أن المحافظة تمتلك كميات كبيرة من المحاصيل القابلة للتصنيع الغذائي، حيث يصل إنتاج البندورة إلى نحو 350 ألف طن سنوياً ، إضافة إلى 5 آلاف طن من الخيار، و2000 طن من اللفت، و10 آلاف طن من الباذنجان، و7 آلاف طن من الفليفلة إلى جانب 35 ألف طن من الرمان إضافة إلى آلاف الأطنان من الخضروات الأخرى .
ويشير الوعبي لـ " العين السورية"، إلى أن هذا الحجم من الإنتاج يفرض ضرورة التوسع في إقامة منشآت تصنيع غذائي تشمل الكونسروة والأعلاف والألبان والأجبان، مع وجود تسهيلات استثمارية تقدمها هيئة الاستثمار لدعم هذا الاتجاه وتحويل الزراعة إلى قطاع إنتاجي متكامل.
ويؤكد أن توفر التسهيلات الاستثمارية يمكن أن يشكل نقطة تحول حقيقية إذا ما تم توجيهها نحو ربط الإنتاج الزراعي بالصناعة الغذائية، بما يضمن استثمار الفائض بدل خسارته في مواسم الذروة.
تشغيل معمل الكونسروة

يُشدد جهاد شحادات، وهو رئيس جمعية فلاحية في درعا، على أهمية إعادة تشغيل معمل الكونسروة في بلدة المزيريب باعتباره كان يشكل متنفساً مهماً للفلاحين عبر استيعاب كميات كبيرة من محصول البندورة ، إضافة إلى توفير فرص عمل مرتبطة بالقطاع الزراعي. ويضيف أن العمل جارٍ على تشجيع المزارعين للدخول في مشاريع صغيرة ومتوسطة مرتبطة بالتصنيع الغذائي من خلال التدريب والندوات والتأهيل بهدف تقليل الاعتماد على بيع المحاصيل بشكل خام وتعزيز قدرتها على تحقيق عائد اقتصادي أفضل.
في المقابل يصف الفلاح مرزوق الحريري واقع الفلاحين بأنه رهين تقلبات السوق وضعف أدوات التسويق ، موضحاً أنه يزرع مايقارب 400دونم من الخضروات المتنوعة كالبندورة والكوسا والخيار وغيرها من المحاصيل لكنه يواجه في كثير من المواسم أسعاراً متدنية لا تغطي التكاليف.
ويؤكد أن غياب معامل التصنيع ومراكز التبريد والتخزين يزيد من حجم الخسائر لأن المحاصيل سريعة التلف ما يفرض على الفلاح البيع بأي سعر متاح لتجنب الكساد حتى وإن كان ذلك على حساب الربح أو حتى رأس المال.
نموذج عملي

ومن زاوية أكثر عمقاً في التجربة التنموية، تقدم رئيسة شعبة التنمية الريفية بدائرة الإرشاد والتنمية الريفية والتعليم الزراعي بمديرية زراعة درعا، المهندسة جهينة الأحمد، نموذجاً عملياً يعكس إمكانات التصنيع الغذائي في المحافظة من خلال وحدة التصنيع الغذائي في بلدة نامر التي تعمل على مدار العام وفقاً للمواسم الزراعية.
وتوضح الأحمد في حديثها لـ " العين السورية"، أن هذه الوحدة لا تعمل بمنطق الإنتاج الموسمي الضيق بل وفق دورة إنتاج متكاملة تستجيب لطبيعة الفائض الزراعي في كل فترة. ففي الشتاء تتحول إلى إنتاج الألبان والأجبان واللبن المصفى والكشك والسمن العربي والجميد ، مستفيدة من وفرة الثروة الحيوانية. بينما في الصيف تعيد توجيه طاقتها نحو تصنيع البندورة والبازلاء والملوخية إلى جانب إنتاج دبس الرمان وغيره من المنتجات الغذائية التي تعتمد على محاصيل الموسم.
وتضيف الأحمد، أن جوهر هذه التجربة يقوم على فكرة التصنيع في مكان الإنتاج، بحيث يتم إنشاء وحدات قريبة من القرى الزراعية نفسها لتقليل كلفة النقل، وضمان توفر المادة الأولية بكميات كبيرة. فالمناطق التي تنتج الرمان والبندورة بكثافة مثل بلدة طفس يمكن أن تتحول إلى مراكز تصنيع متخصصة ما يخلق توازناً بين الإنتاج الزراعي والصناعة الغذائية.
عقدة التسويق
مشيرةً إلى أن التحدي لا يقتصر على التصنيع بحد ذاته بل يمتد إلى سلسلة كاملة تبدأ من ضعف التسويق وتنتهي بثقافة الاستهلاك للدعم. فحتى عندما يتم تأهيل مستفيدين وتقديم دورات تدريبية لهم في مجالات التصنيع والتغليف والجودة لا تنعكس النتائج دائماً على أرض الواقع بسبب ضعف الخبرة التسويقية وارتفاع تكاليف التشغيل، ما يحد من قدرة المشاريع على الاستمرار.
ثقافة " الجاهز"
وتلفت الأحمد إلى جانب بالغ الأهمية يتمثل في ما تسميه (ثقافة المنح الجاهزة) حيث يتم أحياناً التعامل مع الدعم الزراعي أو المساعدات على أنها موارد للاستهلاك أو البيع السريع، وليس كبذرة لمشروع إنتاجي طويل الأمد. وتوضح أن بعض المستفيدين عند حصولهم على منح أو أدوات زراعية أو إنتاجية قد يتجهون إلى بيعها بدل تشغيلها أو تطويرها ما يفقد هذه المشاريع هدفها التنموي الأساسي ويحولها من فرصة استثمار إلى منفعة مؤقتة.
مقومات من ذهب

وفي قراءة شاملة للمشهد تؤكد الباحثة الاقتصادية ونائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا الدكتورة منال الشياح، أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في وفرة الإنتاج الزراعي بل في غياب الاستثمار الصحيح له. فالمحافظة تمتلك مقومات إنتاج كبيرة لكنها تخسر جزءاً مهماً من قيمته بسبب الاعتماد على البيع الخام وضعف البنية الصناعية.
وتوضح الشياح في حديثها مع " العين السورية"، أن الحل لا يكمن في تدخلات جزئية بل في بناء سلسلة اقتصادية متكاملة تربط بين الزراعة والصناعة والتخزين والتسويق والتصدير بحيث تتحول الزراعة من نشاط موسمي هش إلى قطاع إنتاجي مستدام قادر على خلق فرص عمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.


