سوريا - اقتصاد
الاستثمارات الوافدة إلى سوريا.. تنافس أم تبعية مغلّفة بـ "أمبلاج" شراكة؟
ر
رهام علي
نشر في: ٨ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٢٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتوارى في مشهد التعافي الاقتصادي السوري اليوم، ملامح مرحلة جديدة من إعادة رسم الخرائط، إذ يدخل الاقتصاد مرحلة عنوانها الأبرز إعادة الإعمار والانفتاح بعد سنوات طويلة من التراجع والانهيار، ما يجعله محط أنظار القوى الإقليمية والدولية.
ولم يعد التساؤل الدائر يقتصر على مجرد عودة الحركة التجارية، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة الأدوار والمصالح المتباينة التي تتشكل على جغرافية البلاد. وتتقاطع عند هذه النقطة تفاصيل تدفق البضائع التركية، ورأس المال الاستثماري الخليجي، والاهتمام الأمريكي المتجدد بقطاع الطاقة، إلى جانب حذر الشركات الغربية الكبرى. ويبرز هذا المشهد المعقد بوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد المحلي على حماية سيادته الإنتاجية، والتحول من فخ الاستهلاك العابر إلى فضاء الشراكات الحقيقية.
تكامل رابح رابح أم منافسة صامتة!
تتعدد القراءات التحليلية لطبيعة الحضور الإقليمي في السوق السوري، بين من يقرؤه بوصفه مساراً تكاملياً، ومن يراه مزيجاً معقداً من المنافسة الجيواقتصادية الصامتة وإعادة توزيع أدوار الهيمنة. وينطلق الخبير الاقتصادي جلال بكار في حديثه مع "العين السورية" من رؤية أن عودة الزخم الاقتصادي ليست ساحة تنافس وتنازع، بل هي ساحة تكامل وشراكات بقاعدة رابح رابح، مؤكداً أن "سوريا لا يمكن أن تصبح ساحة صراعات اقتصادية لكون اقتصادها لا يمتلك إلى الآن الأدوات الكافية لحماية نفسه من السيطرة المطلقة، مما يحتم بناء شراكات تضمن حقوق الطرفين مع أي طرف كان، مستفيدة من تموضعها الجيوسياسي والجغرافي الفريد".
وفي المقابل، يذهب أستاذ التمويل والمصارف في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن "التقاطع بين تدفق البضائع التركية والتمويل الخليجي هو مزيج من المنافسة الصامتة وإعادة توزيع الأدوار، إذ يركز النموذج التركي وفقاً لمحمد على اختراق السوق عبر الصادرات السلعية سريعة الدوران (مواد بناء وأغذية وسلع استهلاكية) لإعادة تنشيط سلاسل التوريد التي تربط ولايات الأناضول بالسوق السورية، مما يحقق فائضاً في الميزان التجاري لصالح أنقرة ويوفر متنفساً لصناعاتها المتعثرة". ويضيف لـِ "العين السورية": "في المقابل يميل النموذج الخليجي (السعودي والإماراتي) إلى الاستثمار المباشر طويل الأجل في الأصول الثابتة والقطاعات الاستراتيجية، كالقطاعات الريعية والموانئ والبنية التحتية والطاقة والعقارات الفاخرة للسيطرة على مفاتيح النمو المستقبلي". وينذر هذا التقاطع بخطر إغراق السوق بالسلع التركية الرخيصة التي تقوض التصنيع المحلي، وتحول سوريا إلى ممر لوجستي ومستورد صافٍ فاقد لأي قيمة مضافة حقيقية إن لم يُواجه بسياسات واعية.
اهتمام استثنائي بقطاع " دسم"
في السياق، يحظى قطاع الطاقة والكهرباء باهتمام استثنائي، يتقاطع فيه البعد الإقليمي مع الرغبة الأمريكية في خلق مصالح اقتصادية مستدامة داخل سوريا عبر شراكات رسمية وليست اتفاقات خارج حدود الدولة، وهو ما يعتبره جلال بكار "مؤشراً على وجود شرعية حقيقية للحكومة السورية وفهم للموقف السياسي الاقتصادي على النموذج الدولي".
وعلى الجانب الآخر، يحذر الدكتور عبد الرحمن محمد من خطورة تحول عقود الاستثمار الكبرى في الطاقة والكهرباء إلى استثمارات سيطرة سريعة العائد، ما لم تقترن بمنظومة تشريعية صارمة. ويقول: "تبرز هنا الحاجة الملحة لعدة أدوات وقائية تشمل: إصدار قانون سيادي للشراكة بين القطاعين العام والخاص يضمن توطين الوظائف ونقل التكنولوجيا، وإقرار قوانين صارمة لمنع الاحتكار وحماية المنافسة في السلع الحيوية، وتأسيس هيئة وطنية عليا لمراجعة الاستثمار الأجنبي المباشر على غرار نموذج (CFIUS) لحماية الأمن القومي الاقتصادي، إلى جانب إلزامية عرض العقود الاستراتيجية بشفافية تامة على البرلمان للموافقة المسبقة".
مأزق مصرفي وإنتاجي
تتصدر الأزمة المالية والتشريعية قائمة التحديات التي تعرقل اندماج سوريا الحقيقي؛ فعلى الرغم من رفع العقوبات التجارية، يشير جلال بكار إلى أن "بقاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، يؤخر التدفقات المالية ويديم أزمة استقرار القطاع المصرفي، مانعاً الانتقال الكامل نحو اقتصاد أبيض ومبقياً نسبة واسعة في دائرة الاقتصاد الموازي الذي يحرم الخزينة والاقتصاد من الربحية الحقيقية".
ولمواجهة هذا المأزق ومنع تحول الاقتصاد إلى سوق استهلاكي فاقد للسيادة، يقترح الدكتور عبد الرحمن محمد "هندسة اقتصادية وبنيوية بديلة تقوم على آليات متكاملة، تبدأ بتطبيق مبدأ "حق الشفعة الوطنية" عبر إلزام الحكومة بطرح المشاريع الكبرى في بورصة دمشق أو صناديق استثمار وطنية لاستيعاب مدخرات السوريين بالداخل والخارج قبل السماح بدخول الأجنبي، وتمر عبر فرض شراكة إلزامية تصدر بقانون، يلزم أي استثمار أجنبي في الطاقة والكهرباء بتشكيل ائتلاف يضم شريكاً محلياً بنسبة لا تقل عن 30% من رأس المال ويكون فاعلاً في الإدارة، وصولاً إلى إصدار صكوك إسلامية سيادية لتمويل مشروعات الطاقة وتحويل مدخرات المواطنين المجمدة في الذهب والعقار، إلى رأس مال منتج ومضمون بالأصل نفسه، مع فرض نموذج البناء والتملك والتشغيل ونقل الملكية بنهاية مدة محددة لا تزيد عن 20 أو 25 سنة مع جدول زمني لنقل الإدارة والملكية للكوادر الوطنية". لتظل العبرة الاقتصادية الدقيقة مستمدة من مقولة الاقتصادي فريدريك لست، التي تؤكد أن القوة المنتجة للثروة أهم بكثير من الثروة بحد ذاتها، وهو الدرس الأهم لأي صانع قرار يسعى لإعادة إعمار تبني إنساناً وإنتاجاً لا مجرد عقود استهلاكية عابرة.


