سوريا - محليات
الإنترنت الفضائي في درعا ملاذ الهاربين من ضعف شبكتي «MTN» و«سيريتل»؟
شهادات لـ«العين السورية» تكشف أعباء الاتصال على الطلاب والمعلمين في ريف درعا، فيما يرفض مسؤولون في «سيريتل» و«MTN» توضيح أسباب ضعف التغطية وخطط تحسينها.
ل
ليلى حسين
نشر في: ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٧:٠١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
وفي مواجهة هذا الواقع، يتجه بعض الأهالي إلى الإنترنت الفضائي، لا بحثاً عن رفاهية تقنية، بل عن اتصال يمكن الاعتماد عليه، حتى لو اضطروا إلى دفع مبالغ أكبر للحصول عليه.
هنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي أصبح فيه الإنترنت ضرورة للتعليم والعمل والتواصل، يجد مستخدمون في مناطق من درعا أنفسهم أمام خيارين يصعب معهما تلبية احتياجاتهم: شبكة تقليدية ضعيفة أو غائبة، وبديل أفضل من حيث السرعة والجودة، لكنه أكثر كلفة.
وهكذا يتحول الاتصال، من خدمة يومية يُفترض أن تكون متاحة، إلى عبء إضافي على ميزانيات الأسر، ويصبح السؤال أبعد من سرعة الشبكة: لماذا يضطر الأهالي إلى دفع المزيد للحصول على خدمة مستقرة؟
تكلفة أعلى واتصال غير مضمون
في مدينة داعل بريف درعا، يقول وسام شحادات، صاحب محل لبيع الهواتف المحمولة، إن شبكتي «MTN» و«سيريتل» تعانيان ضعفاً واضحاً، موضحاً أن المشكلة ليست حديثة، بل كانت قائمة حتى قبل التحرير، لكنها ازدادت سوءاً في الفترة الأخيرة نتيجة ظروف وعوامل متعددة.
ولا يقف الأمر عند جودة الاتصال، فتكلفة البيانات ارتفعت بصورة كبيرة، وفق شحادات. فبينما كانت الباقة الشهرية تكلف نحو 300 ليرة سورية جديدة، بات المستخدم يحتاج، في المتوسط، إلى أكثر من 1500 ليرة سورية جديدة لتأمين كمية البيانات التي تلبي احتياجاته.
وتضع هذه القفزة في التكلفة المشترك أمام معادلة مرهقة: يدفع أكثر، من دون أن يضمن بالضرورة خدمة تلبي حاجاته. وبالنسبة إلى من يعتمد على الإنترنت يومياً، لا يكفي الاشتراك بباقة بيانات إذا كانت التغطية ضعيفة أو الاتصال متقطعاً، فالمشكلة لا تتعلق بعدد الغيغابايتات وحده، بل بإمكانية استخدامها فعلياً عند الحاجة إليها.
بديل يمتد من الريف الغربي إلى الشرقي
في ريف درعا الغربي، اتخذ عمار حسين، صاحب شبكة «Sky Net»، من هذه الفجوة سبباً لإنشاء شبكة تعتمد على الإنترنت الفضائي.
ويوضح أن ضعف الإنترنت التقليدي، إلى جانب شبه انعدام تغطية «سيريتل» في المنطقة التي يعمل فيها، دفعه إلى توفير بديل للسكان. ويشير إلى أن الشبكة شهدت إقبالاً ملحوظاً بفضل السرعة وقوة الاتصال مقارنة بالخيارات المتاحة، رغم أن تكلفتها ليست بسيطة على المشتركين.
لكن التجربة لا تقتصر على الريف الغربي، ففي بصرى الشام بريف درعا الشرقي، يقول عبد الغفار عليان إن شبكة «MTN» غير متوافرة إطلاقاً في الحي الذي يسكنه، فيما تبقى تغطية «سيريتل» ضعيفة.

ويؤكد أن الإنترنت الفضائي، على الرغم من كلفته المرتفعة، يوفر سرعة أفضل وجودة أعلى، ما يجعله خياراً أكثر ملاءمة من الشبكات التقليدية المتاحة في منطقته.
ويشير عليان إلى أن بطاقات الإنترنت الفضائي تُباع في محال الهواتف المحمولة في الريف الشرقي، حيث يتعاون أصحاب المحال مع المشغّلين الأساسيين للشبكات لتوفير الخدمة للمشتركين.
ويتيح هذا الأسلوب للسكان الوصول إلى الإنترنت من خلال نقاط بيع محلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المحال أو الشبكات تعمل وفق الوضع التنظيمي نفسه، إذ يتوقف الأمر على طبيعة الخدمة والتراخيص التي يحملها كل مزوّد.
ومن داعل إلى ريف درعا الغربي، وصولاً إلى بصرى الشام شرقاً، تتكرر الشكوى بصور مختلفة، لكن النتيجة واحدة: صعوبة الوصول إلى اتصال مستقر.
كما أن انقطاع الشبكة أو ضعفها على الطريق الدولي باتجاه دمشق يوسّع نطاق التساؤلات بشأن التغطية، فالمشكلة لا تظهر في القرى والأحياء وحدها، بل يلمسها مستخدمون خلال التنقل على طريق رئيسي.
وتحتاج معرفة مدى انتشار المشكلة وأسبابها الدقيقة إلى قياسات ميدانية للتغطية وبيانات فنية من الشركات المعنية، إلى جانب تجارب المستخدمين.
الدراسة والتعليم بكلفة إضافية
بالنسبة إلى محمد فينو، طالب السنة الثالثة في هندسة المعلوماتية بالجامعة الافتراضية السورية، لا يمثل الإنترنت خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، فمحاضراته الجامعية تعتمد عليه بصورة أساسية.
ويصف تجربة الإنترنت الفضائي بأنها «بتفشّ الخلق»، في إشارة إلى ما يقدمه من سرعة واستقرار أفضل مقارنة بالاتصال التقليدي الذي يعاني مشكلات متكررة.
لكن ما يبعث على الارتياح من ناحية جودة الخدمة يبقى مصدر ضغط من ناحية الكلفة، إذ يجد الطالب نفسه مضطراً إلى البحث عن اتصال موثوق لمتابعة دراسته، مع تحمّل نفقات إضافية للحصول عليه.
أما براءة مثقال، وهي معلمة، فتقول إنها تستهلك أكثر من 50 غيغابايت من البيانات لتقديم دروس تعليمية عبر الإنترنت باستخدام هاتفها المحمول، في محاولة لتعويض التلاميذ عن الفاقد التعليمي.
وتوضح براءة مثقال أن بطاقات الإنترنت الفضائي تكلف، بحسب تجربتها، ما بين 2000 و3000 ليرة سورية جديدة. وبذلك، لا تعود كلفة الاتصال مجرد مصروف شخصي، بل تصبح جزءاً من النفقات التي تتحملها المعلمة للوصول إلى تلاميذها ومساعدتهم على متابعة التعليم.
وتبيّن هذه الشهادات أن الإنترنت الفضائي يؤدي دوراً يتجاوز توفير سرعة أعلى، فهو يتيح لبعض السكان متابعة محاضراتهم، وللمعلمين تقديم الدروس، وللأهالي الوصول إلى خدمة لا توفرها الشبكات التقليدية في مناطقهم بالمستوى المطلوب.
لكنه، في الوقت نفسه، لا يمثل حلاً متاحاً للجميع بالقدر نفسه، لأن ارتفاع كلفته قد يجعل الاستفادة منه مرتبطة بالقدرة على الدفع، لا بمجرد الحاجة إليه.
بنية متضررة وشركات ترفض التوضيح
لا يمكن فصل ضعف الاتصال عن واقع البنية التحتية للاتصالات في المحافظة. فالمعلومات المتاحة تشير إلى تهالك أجزاء من الشبكة الأرضية في بعض المناطق، وصعوبات تتصل بإصلاحها، فضلاً عن الأضرار التي تطال الكوابل والتجهيزات.
كما تتعرض أبراج اتصالات ومكونات من الشبكات للسرقة والتخريب، وهي ممارسات تفاقم المشكلة، بإضافة أعطال جديدة إلى شبكة تعاني أصلاً ضعف التغطية والاستقرار.
وفي محاولة للحصول على توضيحات بشأن شكاوى المستخدمين في ريف درعا وعلى الطريق الدولي باتجاه دمشق، وجّهت «العين السورية» أسئلة إلى مسؤولين في شركتي «MTN» و«سيرياتل»، عن واقع التغطية وأسباب ضعف الخدمة والإجراءات المتخذة لتحسينها.
إلا أن المسؤولين في الشركتين رفضوا تزويدنا بالمعلومات المطلوبة أو تقديم تفسيرات بشأن الأسئلة الموجّهة إليهم، ولم يدلوا بأي تصريح يوضح أسباب المشكلة أو الخطط الموضوعة لمعالجتها.
وبغياب الرد، تبقى أسئلة السكان من دون إجابات واضحة: لماذا لا تتوافر تغطية «MTN» في بعض الأحياء، فيما تكون تغطية «سيرياتل» ضعيفة؟ وما أسباب تراجع الخدمة في مناطق أخرى؟ وهل توجد خطط محددة لتوسيع التغطية على الطرق الرئيسية وفي القرى والأحياء التي تعاني ضعف الاتصال؟ وما الإجراءات المتخذة لمنع سرقة التجهيزات وتخريب الأبراج، وإعادة الخدمة إلى المناطق المتضررة؟
التراخيص.. تمييز ضروري بين الخدمات
بالتوازي، يطرح انتشار الإنترنت الفضائي سؤالاً آخر يتعلق بالتراخيص. فليس دقيقاً اعتبار جميع الشبكات المحلية التي توفر الإنترنت في الريف مخالفة تلقائياً، كما لا يصح افتراض أنها جميعاً مرخّصة، من دون التحقق من وضع كل مشغّل ونوع الخدمة التي يقدمها.
وقد أعلنت الهيئة الناظمة للاتصالات، في آذار 2025، مواصلة منح تراخيص لمزوّدي خدمات الإنترنت عبر الواي فاي الخارجي، بهدف توفير الاتصال في المناطق التي لا تصل إليها الشبكات السلكية، وفق الضوابط المعتمدة.
وفي المقابل، تناولت إعلانات رسمية شروط استخدام محطات الإنترنت الفضائي المباشر، مثل «ستارلينك»، والحصول على الموافقات اللازمة لتشغيلها.

وهذا التمييز مهم لفهم واقع الخدمة في الريف؛ فالشبكة التي توزّع الاتصال محلياً عبر نقاط وصول لاسلكية ليست بالضرورة مماثلة لمحطة اتصال فضائي مباشر، كما أن بيع بطاقة إنترنت في محل للهواتف لا يكفي وحده للحكم على الوضع القانوني للخدمة.
ويظل التحقق من الترخيص وطبيعة العلاقة بين نقطة البيع والمشغّل الأساسي ضرورياً قبل إصدار أي حكم بشأن قانونية شبكة بعينها.
حلول لا تحتمل الانتظار
على المدى الطويل، يمكن أن يشكّل توسيع شبكات الألياف الضوئية وتقنيات النفاذ الحديثة أحد الحلول لتحسين جودة الاتصال، شرط أن تقترن الخطط بالتنفيذ الفعلي، وأن تشمل المناطق التي لا تزال تعاني ضعف الخدمة.
لكن السكان يحتاجون إلى حلول عملية في الوقت الراهن أيضاً؛ فالمحاضرات لا تنتظر إصلاح الكوابل، والدروس التعليمية لا يمكن تعليقها حتى تتحسن التغطية، كما أن الأعمال اليومية باتت تعتمد على اتصال مستقر.
الإنترنت الفضائي، إذاً، ملاذ لبعض الأهالي من ضعف الشبكات، لكنه عبء جديد على جيوبهم أيضاً. وبين الحل الفردي الذي يشتريه المستخدم من ماله الخاص، والحاجة إلى تحسين البنية التحتية وتوسيع التغطية ومساءلة الشركات عن مستوى الخدمة، يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة: لماذا يُضطر السكان إلى دفع المزيد للحصول على اتصال يمكن الاعتماد عليه، في حين أصبح الإنترنت ضرورة للتعليم والعمل والحياة اليومية، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟
ليس من الضروري أن تكون في منطقة نائية كي تفقد اتصالك بالإنترنت، يكفي أحياناً أن تغادر درعا باتجاه دمشق، وتسلك الأوتوستراد الدولي، حتى تكتشف أن الإشارة التي يُفترض أن ترافقك على الطريق قد تختفي تماماً في بعض المقاطع، وأن الاتصال، الذي بات جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، لا يمكن ضمان استمراره حتى على طريق رئيسي يصل جنوب البلاد بعاصمتها.
وعلى امتداد الطريق، يكاد الاتصال يغيب في أجزاء منه، وفق ما يرصده مستخدمون، ولا تعود الشبكة إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه إلا مع الاقتراب من دمشق والدخول إلى أطرافها الأولى، بحسب تجاربهم.
وإذا كان هذا واقع الاتصال على طريق رئيسي، فكيف يبدو الحال في القرى والأحياء التي تعاني ضعف التغطية أصلاً؟ في ريف درعا الغربي والشرقي، لا تبدو المشكلة محصورة بمنطقة دون أخرى، فالشكاوى تمتد من أحياء لا تصلها تغطية إحدى الشبكتين، إلى مناطق تضعف فيها الشبكة الأخرى، وصولاً إلى انقطاعات تجعل استخدام الإنترنت لمتابعة الدراسة أو العمل مهمة شاقة.
وعلى امتداد الطريق، يكاد الاتصال يغيب في أجزاء منه، وفق ما يرصده مستخدمون، ولا تعود الشبكة إلى مستوى يمكن الاعتماد عليه إلا مع الاقتراب من دمشق والدخول إلى أطرافها الأولى، بحسب تجاربهم.
وإذا كان هذا واقع الاتصال على طريق رئيسي، فكيف يبدو الحال في القرى والأحياء التي تعاني ضعف التغطية أصلاً؟ في ريف درعا الغربي والشرقي، لا تبدو المشكلة محصورة بمنطقة دون أخرى، فالشكاوى تمتد من أحياء لا تصلها تغطية إحدى الشبكتين، إلى مناطق تضعف فيها الشبكة الأخرى، وصولاً إلى انقطاعات تجعل استخدام الإنترنت لمتابعة الدراسة أو العمل مهمة شاقة.
وفي مواجهة هذا الواقع، يتجه بعض الأهالي إلى الإنترنت الفضائي، لا بحثاً عن رفاهية تقنية، بل عن اتصال يمكن الاعتماد عليه، حتى لو اضطروا إلى دفع مبالغ أكبر للحصول عليه.هنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي أصبح فيه الإنترنت ضرورة للتعليم والعمل والتواصل، يجد مستخدمون في مناطق من درعا أنفسهم أمام خيارين يصعب معهما تلبية احتياجاتهم: شبكة تقليدية ضعيفة أو غائبة، وبديل أفضل من حيث السرعة والجودة، لكنه أكثر كلفة.
وهكذا يتحول الاتصال، من خدمة يومية يُفترض أن تكون متاحة، إلى عبء إضافي على ميزانيات الأسر، ويصبح السؤال أبعد من سرعة الشبكة: لماذا يضطر الأهالي إلى دفع المزيد للحصول على خدمة مستقرة؟
تكلفة أعلى واتصال غير مضمون
في مدينة داعل بريف درعا، يقول وسام شحادات، صاحب محل لبيع الهواتف المحمولة، إن شبكتي «MTN» و«سيريتل» تعانيان ضعفاً واضحاً، موضحاً أن المشكلة ليست حديثة، بل كانت قائمة حتى قبل التحرير، لكنها ازدادت سوءاً في الفترة الأخيرة نتيجة ظروف وعوامل متعددة.
ولا يقف الأمر عند جودة الاتصال، فتكلفة البيانات ارتفعت بصورة كبيرة، وفق شحادات. فبينما كانت الباقة الشهرية تكلف نحو 300 ليرة سورية جديدة، بات المستخدم يحتاج، في المتوسط، إلى أكثر من 1500 ليرة سورية جديدة لتأمين كمية البيانات التي تلبي احتياجاته.
وتضع هذه القفزة في التكلفة المشترك أمام معادلة مرهقة: يدفع أكثر، من دون أن يضمن بالضرورة خدمة تلبي حاجاته. وبالنسبة إلى من يعتمد على الإنترنت يومياً، لا يكفي الاشتراك بباقة بيانات إذا كانت التغطية ضعيفة أو الاتصال متقطعاً، فالمشكلة لا تتعلق بعدد الغيغابايتات وحده، بل بإمكانية استخدامها فعلياً عند الحاجة إليها.
بديل يمتد من الريف الغربي إلى الشرقي
في ريف درعا الغربي، اتخذ عمار حسين، صاحب شبكة «Sky Net»، من هذه الفجوة سبباً لإنشاء شبكة تعتمد على الإنترنت الفضائي.
ويوضح أن ضعف الإنترنت التقليدي، إلى جانب شبه انعدام تغطية «سيريتل» في المنطقة التي يعمل فيها، دفعه إلى توفير بديل للسكان. ويشير إلى أن الشبكة شهدت إقبالاً ملحوظاً بفضل السرعة وقوة الاتصال مقارنة بالخيارات المتاحة، رغم أن تكلفتها ليست بسيطة على المشتركين.
لكن التجربة لا تقتصر على الريف الغربي، ففي بصرى الشام بريف درعا الشرقي، يقول عبد الغفار عليان إن شبكة «MTN» غير متوافرة إطلاقاً في الحي الذي يسكنه، فيما تبقى تغطية «سيريتل» ضعيفة.

ويؤكد أن الإنترنت الفضائي، على الرغم من كلفته المرتفعة، يوفر سرعة أفضل وجودة أعلى، ما يجعله خياراً أكثر ملاءمة من الشبكات التقليدية المتاحة في منطقته.
ويشير عليان إلى أن بطاقات الإنترنت الفضائي تُباع في محال الهواتف المحمولة في الريف الشرقي، حيث يتعاون أصحاب المحال مع المشغّلين الأساسيين للشبكات لتوفير الخدمة للمشتركين.
ويتيح هذا الأسلوب للسكان الوصول إلى الإنترنت من خلال نقاط بيع محلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع المحال أو الشبكات تعمل وفق الوضع التنظيمي نفسه، إذ يتوقف الأمر على طبيعة الخدمة والتراخيص التي يحملها كل مزوّد.
ومن داعل إلى ريف درعا الغربي، وصولاً إلى بصرى الشام شرقاً، تتكرر الشكوى بصور مختلفة، لكن النتيجة واحدة: صعوبة الوصول إلى اتصال مستقر.
كما أن انقطاع الشبكة أو ضعفها على الطريق الدولي باتجاه دمشق يوسّع نطاق التساؤلات بشأن التغطية، فالمشكلة لا تظهر في القرى والأحياء وحدها، بل يلمسها مستخدمون خلال التنقل على طريق رئيسي.
وتحتاج معرفة مدى انتشار المشكلة وأسبابها الدقيقة إلى قياسات ميدانية للتغطية وبيانات فنية من الشركات المعنية، إلى جانب تجارب المستخدمين.
الدراسة والتعليم بكلفة إضافية
بالنسبة إلى محمد فينو، طالب السنة الثالثة في هندسة المعلوماتية بالجامعة الافتراضية السورية، لا يمثل الإنترنت خدمة ثانوية يمكن تأجيلها، فمحاضراته الجامعية تعتمد عليه بصورة أساسية.
ويصف تجربة الإنترنت الفضائي بأنها «بتفشّ الخلق»، في إشارة إلى ما يقدمه من سرعة واستقرار أفضل مقارنة بالاتصال التقليدي الذي يعاني مشكلات متكررة.
لكن ما يبعث على الارتياح من ناحية جودة الخدمة يبقى مصدر ضغط من ناحية الكلفة، إذ يجد الطالب نفسه مضطراً إلى البحث عن اتصال موثوق لمتابعة دراسته، مع تحمّل نفقات إضافية للحصول عليه.
أما براءة مثقال، وهي معلمة، فتقول إنها تستهلك أكثر من 50 غيغابايت من البيانات لتقديم دروس تعليمية عبر الإنترنت باستخدام هاتفها المحمول، في محاولة لتعويض التلاميذ عن الفاقد التعليمي.
وتوضح براءة مثقال أن بطاقات الإنترنت الفضائي تكلف، بحسب تجربتها، ما بين 2000 و3000 ليرة سورية جديدة. وبذلك، لا تعود كلفة الاتصال مجرد مصروف شخصي، بل تصبح جزءاً من النفقات التي تتحملها المعلمة للوصول إلى تلاميذها ومساعدتهم على متابعة التعليم.
وتبيّن هذه الشهادات أن الإنترنت الفضائي يؤدي دوراً يتجاوز توفير سرعة أعلى، فهو يتيح لبعض السكان متابعة محاضراتهم، وللمعلمين تقديم الدروس، وللأهالي الوصول إلى خدمة لا توفرها الشبكات التقليدية في مناطقهم بالمستوى المطلوب.
لكنه، في الوقت نفسه، لا يمثل حلاً متاحاً للجميع بالقدر نفسه، لأن ارتفاع كلفته قد يجعل الاستفادة منه مرتبطة بالقدرة على الدفع، لا بمجرد الحاجة إليه.
بنية متضررة وشركات ترفض التوضيح
لا يمكن فصل ضعف الاتصال عن واقع البنية التحتية للاتصالات في المحافظة. فالمعلومات المتاحة تشير إلى تهالك أجزاء من الشبكة الأرضية في بعض المناطق، وصعوبات تتصل بإصلاحها، فضلاً عن الأضرار التي تطال الكوابل والتجهيزات.
كما تتعرض أبراج اتصالات ومكونات من الشبكات للسرقة والتخريب، وهي ممارسات تفاقم المشكلة، بإضافة أعطال جديدة إلى شبكة تعاني أصلاً ضعف التغطية والاستقرار.
وفي محاولة للحصول على توضيحات بشأن شكاوى المستخدمين في ريف درعا وعلى الطريق الدولي باتجاه دمشق، وجّهت «العين السورية» أسئلة إلى مسؤولين في شركتي «MTN» و«سيرياتل»، عن واقع التغطية وأسباب ضعف الخدمة والإجراءات المتخذة لتحسينها.
إلا أن المسؤولين في الشركتين رفضوا تزويدنا بالمعلومات المطلوبة أو تقديم تفسيرات بشأن الأسئلة الموجّهة إليهم، ولم يدلوا بأي تصريح يوضح أسباب المشكلة أو الخطط الموضوعة لمعالجتها.وبغياب الرد، تبقى أسئلة السكان من دون إجابات واضحة: لماذا لا تتوافر تغطية «MTN» في بعض الأحياء، فيما تكون تغطية «سيرياتل» ضعيفة؟ وما أسباب تراجع الخدمة في مناطق أخرى؟ وهل توجد خطط محددة لتوسيع التغطية على الطرق الرئيسية وفي القرى والأحياء التي تعاني ضعف الاتصال؟ وما الإجراءات المتخذة لمنع سرقة التجهيزات وتخريب الأبراج، وإعادة الخدمة إلى المناطق المتضررة؟
التراخيص.. تمييز ضروري بين الخدمات
بالتوازي، يطرح انتشار الإنترنت الفضائي سؤالاً آخر يتعلق بالتراخيص. فليس دقيقاً اعتبار جميع الشبكات المحلية التي توفر الإنترنت في الريف مخالفة تلقائياً، كما لا يصح افتراض أنها جميعاً مرخّصة، من دون التحقق من وضع كل مشغّل ونوع الخدمة التي يقدمها.
وقد أعلنت الهيئة الناظمة للاتصالات، في آذار 2025، مواصلة منح تراخيص لمزوّدي خدمات الإنترنت عبر الواي فاي الخارجي، بهدف توفير الاتصال في المناطق التي لا تصل إليها الشبكات السلكية، وفق الضوابط المعتمدة.
وفي المقابل، تناولت إعلانات رسمية شروط استخدام محطات الإنترنت الفضائي المباشر، مثل «ستارلينك»، والحصول على الموافقات اللازمة لتشغيلها.

وهذا التمييز مهم لفهم واقع الخدمة في الريف؛ فالشبكة التي توزّع الاتصال محلياً عبر نقاط وصول لاسلكية ليست بالضرورة مماثلة لمحطة اتصال فضائي مباشر، كما أن بيع بطاقة إنترنت في محل للهواتف لا يكفي وحده للحكم على الوضع القانوني للخدمة.
ويظل التحقق من الترخيص وطبيعة العلاقة بين نقطة البيع والمشغّل الأساسي ضرورياً قبل إصدار أي حكم بشأن قانونية شبكة بعينها.
حلول لا تحتمل الانتظار
على المدى الطويل، يمكن أن يشكّل توسيع شبكات الألياف الضوئية وتقنيات النفاذ الحديثة أحد الحلول لتحسين جودة الاتصال، شرط أن تقترن الخطط بالتنفيذ الفعلي، وأن تشمل المناطق التي لا تزال تعاني ضعف الخدمة.
لكن السكان يحتاجون إلى حلول عملية في الوقت الراهن أيضاً؛ فالمحاضرات لا تنتظر إصلاح الكوابل، والدروس التعليمية لا يمكن تعليقها حتى تتحسن التغطية، كما أن الأعمال اليومية باتت تعتمد على اتصال مستقر.
الإنترنت الفضائي، إذاً، ملاذ لبعض الأهالي من ضعف الشبكات، لكنه عبء جديد على جيوبهم أيضاً. وبين الحل الفردي الذي يشتريه المستخدم من ماله الخاص، والحاجة إلى تحسين البنية التحتية وتوسيع التغطية ومساءلة الشركات عن مستوى الخدمة، يبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة: لماذا يُضطر السكان إلى دفع المزيد للحصول على اتصال يمكن الاعتماد عليه، في حين أصبح الإنترنت ضرورة للتعليم والعمل والحياة اليومية، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟


