سوريا - اقتصاد
الأسواق تسبق مهلة استبدال العملة السورية .. والمواطن يدفع الفاتورة
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٦:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

قبل انتهاء المهلة الرسمية لاستبدال العملة القديمة، بدأت الأسواق السورية تدخل مرحلة انتقالية تحمل الكثير من التساؤلات، بعدما بدأت بعض المحال التجارية والتجار رفض التعامل بالأوراق النقدية القديمة، رغم استمرار صلاحية تداولها خلال الفترة المحددة، ما خلق حالة من القلق لدى المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع يتغير قبل اكتمال الإجراءات الرسمية.
ولا يبدو المشهد قراراً موحداً من الأسواق، بل حالة من الحذر فرضتها مخاوف التجار من الاحتفاظ بكميات من العملة القديمة بعد انتهاء المهلة. وتبرز الإشكالية بشكل أكبر مع استمرار انتشار بعض الفئات النقدية القديمة، ولا سيما فئة الـ5000 ليرة، في وقت لا تزال فيه بعض الفئات الجديدة غير متوفرة بالكميات التي تغطي احتياجات التعاملات اليومية.
وتظهر آثار هذا الارتباك في النقل العام، حيث تواجه بعض التعاملات صعوبة بسبب نقص الفئات المناسبة لإعادة الباقي، ما يجعل المواطن يتحمل جزءاً من أعباء المرحلة الانتقالية بين عملتين.
لكن التحدي الحقيقي لا يرتبط فقط بطريقة تداول الأوراق النقدية، بل بقدرة الاقتصاد على إدارة مرحلة نقدية جديدة في ظل ظروف اقتصادية معقدة.
مرحلة حساسة
وفي هذا السياق، يرى وزير المالية والاقتصاد الأسبق. عبد الحكيم المصري أن استبدال العملة يمثل خطوة يمكن أن تحمل آثاراً إيجابية على النظام النقدي، لكنه يشدد على أن نجاحها لا يعتمد على إصدار عملة جديدة فقط، وإنما على قدرة المصرف المركزي على إدارة المرحلة الانتقالية وضبط السيولة وحركة الأسواق.
ويشير المصري إلى أن التخوفات تكون طبيعية في بداية أي عملية استبدال نقدي، لأن المواطنين والتجار يحتاجون إلى فترة للتكيف مع العملة الجديدة، موضحاً أن حالة عدم اليقين قد تفتح المجال أمام بعض الممارسات غير الاقتصادية، مثل المضاربة على سعر الصرف أو رفع الأسعار تحت ذرائع مرتبطة بتغير العملة.
ويقول: إن الأسعار ستكون من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة الأولى، لأن بعض التجار قد يستغلون عدم وضوح القيمة أو صعوبة التعامل بالفئات الجديدة لزيادة الأسعار، إلا أن حجم هذه التأثيرات يرتبط بقدرة المصرف المركزي على تأمين السيولة المطلوبة ومنع حدوث اضطراب في السوق.
بُعد اقتصادي عميق
ويلفت المصري إلى أن سعر الصرف سيبقى العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العملية، مشيراً إلى أن استبدال العملة لا يمكن فصله عن الظروف الاقتصادية العامة، سواء من حيث ضعف الإنتاج المحلي، أو الاعتماد الكبير على الاستيراد، أو التطورات الإقليمية التي تؤثر في حركة الاقتصاد والثقة بالعملة.
ويؤكد أن قوة العملة لا تُبنى من خلال تغيير شكلها فقط، بل من خلال اقتصاد قادر على الإنتاج، موضحاً أن أي إصلاح نقدي يحتاج إلى إجراءات موازية تدعم النشاط الاقتصادي وتزيد القدرة الإنتاجية، لأن استقرار الليرة يرتبط بشكل مباشر بحجم الإنتاج والثقة بالسوق.
إيجابيات
وفي المقابل، يرى المصري أن للعملة الجديدة فوائد مهمة، أبرزها إمكانية معالجة مشكلة العملات المزورة التي كانت متداولة، وتعزيز قدرة المصرف المركزي على معرفة حجم الكتلة النقدية الموجودة فعلياً في السوق.
ويشرح أن عملية الاستبدال عبر القنوات الرسمية تمنح المصرف المركزي فرصة أكبر لتتبع حركة الأموال، ومعرفة مصادر الكتل النقدية الكبيرة، بما يساعد في الحد من عمليات غسل الأموال وضبط السيولة المتداولة.
ويضيف أن سحب العملة القديمة من التداول يساهم في إنهاء حالة الغموض حول حجم النقد الموجود خارج السيطرة، ويمنح السياسة النقدية قدرة أكبر على إدارة المعروض النقدي وفق حاجات الاقتصاد، سواء من خلال زيادة السيولة أو سحبها بحسب متطلبات السوق.
ثغرات
لكن المصري يلفت في الوقت نفسه إلى أن الاقتصاد السوري يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في اعتماده الكبير على النقد الورقي، موضحاً أن أكثر من 90% من التعاملات تتم نقداً، ما يجعل إدارة السيولة أكثر صعوبة في ظل محدودية الأدوات المصرفية وانتشار التعاملات خارج النظام المالي.
كما يشير إلى أهمية معالجة ملف الفئات النقدية، لأن غياب بعض الفئات الصغيرة قد يؤدي إلى آثار تضخمية غير مباشرة، حيث قد يلجأ البعض إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى بسبب صعوبة تأمين الباقي، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن.
ثقة
ويؤكد الوزير السابق أن نجاح العملية يحتاج إلى تزامنها مع سياسة اقتصادية متكاملة تشمل ضبط الإنفاق، تحسين الإيرادات، تعزيز الثقة بالمصارف، دعم الاستثمار، والعمل على استقرار سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
ويقول المصري: إن الهدف النهائي من استبدال العملة يجب ألا يكون تغيير الأوراق النقدية فقط، بل إعادة الليرة إلى أداء وظائفها الطبيعية كوسيلة للتبادل ومخزن للقيمة، مشدداً على أن الثقة هي العامل الحاسم في نجاح أي نظام نقدي.
وبين أسواق تحاول التأقلم، وتجار يخشون الاحتفاظ بالعملة القديمة، ومواطن يبحث عن سيولة مناسبة، يقف استبدال العملة أمام اختبار حقيقي؛ فنجاح الخطوة لن يقاس فقط بانتهاء المهلة، بل بقدرة الاقتصاد على الانتقال إلى المرحلة الجديدة دون أن يتحول المواطن إلى الحلقة الأضعف.


