سوريا - اقتصاد
بوابات تعافٍ وممرات انتعاش.. اقتصاد سوري رشيق تحت الطلب
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تعتري المنافذ الحدودية البرية والبحرية – كما المسارات الجوية – السورية، حركة نشطة ترصدها يومياً هيئة المنافذ البرية والبحرية، إلى جانب هيئة الطيران المدني.
فخلال العام 2026 كانت الحركة متصاعدة في المنافذ الحدودية والمرافئ البحرية، مع مؤشرات على تعافي جزئي في قطاعي النقل البري والبحري، رغم استمرار التحديات التشغيلية واللوجستية.
حركة المنافذ البرية
ووفقاً للتقارير الراشحة عن هيئة المنافذ، سجلت المنافذ الحدودية السورية مع دول الجوار حركة عبور كثيفة منذ بداية العام. بلغ إجمالي عدد المسافرين عبر مختلف المنافذ نحو 3.4 مليون مسافر حتى نهاية نيسان 2026. تصدر منفذ نصيب مع الأردن الحركة بـ 2.2 مليون مسافر، يليه جديدة يابوس مع لبنان بـ 1.7 مليون مسافر، ثم السلامة مع تركيا بـ 1.04 مليون مسافر.
كما شهدت المعابر الأخرى نشاطاً لافتاً، حيث سجل باب الهوى نحو 500 ألف مسافر، وسيمالكا 110 آلاف مسافر خلال ثلاثة أشهر، وكسب 121 ألف مسافر، والبوكمال 87 ألفاً، وجرابلس 71 ألفاً، فيما بلغ عدد العابرين عبر اليعربية مع العراق نحو 34 ألفاً منذ إعادة افتتاحه في نيسان الماضي.
حركة المرافئ البحرية
في قطاع الملاحة البحرية، شهدت الموانئ السورية نشاطاً متصاعداً، إذ استقبل مرفأ اللاذقية 394 باخرة، مع مناولة نحو 2.86 مليون طن من البضائع و171 ألف حاوية.
كما قدمت المديرية العامة للموانئ نحو 53 ألف خدمة بحرية منذ بداية العام، توزعت بين 35 ألفاً في اللاذقية و18 ألفاً في طرطوس. وتعمل موانئ اللاذقية وطرطوس بكامل طاقتها التشغيلية، رغم الحاجة المستمرة لتطوير البنية التحتية.
واقع النقل الجوي والمجال الجوي
وفي قطاع النقل الجوي، تؤكد تقارير هيئة الطيران المدني، أن حركة العبور شهدت نمواً هائلاً، حيث قفزت من 2,468 طائرة في أيار 2025 إلى 11,801 في أيار 2026 (نمو 378%)، ثم واصلت ارتفاعها إلى 20,315 طائرة في تموز 2026، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 72% مقارنة بشهر أيار الماضي فقط .
ويُعزى هذا الارتفاع الكبير إلى تحويل العديد من شركات الطيران الإقليمية، خاصة في الخليج، لمسارات رحلاتها عبر الأجواء السورية، وذلك لتجنب مناطق النزاع في المنطقة، مما يعيد سوريا إلى موقعها كـ"ممر جوي استراتيجي" يربط بين أوروبا وآسيا والخليج .
أما في الترجمة المالية لما سبق.. فمع الرسوم الثابتة البالغة 499 دولاراً لكل رحلة عبور، قد تعني حركة تموز (يوليو) إيرادات شهرية تقترب من 10 ملايين دولار، مقارنة بحوالي 5.9 مليون دولار في أيار (مايو) .
اقتصاد متكامل
تشي كافة المعطيات السابقة، بأن ثمة اقتصاد قائم بذاته في سوريا هو " اقتصاد المعابر". إذ بالفعل تمثل المعابر في سوريا أكثر من مجرد نقاط عبور حدودية، فهي شرايين اقتصادية حيوية تربط البلاد بمحيطها الإقليمي، وتعكس قدرتها على استعادة دورها التاريخي كممر تجاري يربط الشرق بالغرب. ومع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا نهاية عام 2024، برز ملف المعابر الحدودية كأحد المؤشرات الأكثر وضوحاً على مسار التعافي الاقتصادي وإعادة الاندماج الإقليمي.
شرايين تواصل نشط
تمتد الحدود البرية السورية مع أربع دول هي تركيا والأردن والعراق ولبنان، وتضم شبكة من المعابر الرسمية وغير الرسمية التي لعبت دوراً محورياً في حركة التجارة الإقليمية. ووفقاً لخبراء، تكمن أهمية هذه المعابر في كونها اختصاراً لمسافات شحن طويلة، حيث يمكن عبر معبر نصيب مع الأردن مثلاً نقل البضائع من دمشق إلى عمان في يوم واحد، بينما تستغرق البدائل البحرية أو الجوية أياماً أو أسابيع.
قبل عام 2011، كانت قيمة المبادلات التجارية عبر معبر نصيب وحده تقارب ملياري دولار سنوياً، وبلغ عدد المسافرين عبره في مواسم الذروة نحو 15 ألف مسافر يومياً. لكن سنوات الحرب فرضت واقعاً مختلفاً، إذ أغلقت معظم المعابر أو تعرضت للتدمير، ما تسبب بخسائر اقتصادية فادحة قدرت بنحو 10-15 مليون دولار يومياً للاقتصاد السوري من جراء إغلاق معبر نصيب وحده.
عودة تدريجية منذ 2025
بعد التحرير، بدأت الحكومة السورية الجديدة خطوات ملموسة لإعادة فتح المعابر وتأهيلها، ضمن خطة متكاملة تشرف عليها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك. وتوزعت هذه الجهود على أربعة محاور رئيسية وفق خريطة المعابر السورية.
أولها..المعابر التركية، وتشكل الشريان التجاري الأكبر، وتشمل باب الهوى وباب السلامة وجرابلس والراعي وكسب وغيرها. وفي أيلول 2025، عبَرت أول قافلة ترانزيت بين البلدين عبر باب الهوى بعد توقف دام 15 عاماً، في خطوة وصفت بأنها منعطف مهم في التعاون الاقتصادي. وشهدت الصادرات التركية إلى سوريا قفزة ملحوظة، حيث بلغت نحو 2.5 مليار دولار في 2025 مقارنة بـ1.514 مليار في 2024.
والثانية المعابر الأردنية، التي يتصدرها معبر نصيب–جابر، الذي أظهرت بياناته عودة قوية لحركة الشحن، حيث قفزت حركة العبور بأكثر من 272% في النصف الأول من 2025، ليصل عدد الشاحنات المتعامل معها إلى نحو 1500 شاحنة يومياً. كما تضاعفت التجارة الثنائية بين الأردن وسوريا ثلاث مرات، من 116 مليون دينار أردني عام 2024 إلى 334 مليوناً عام 2025.
أما الثالثة في المعابر العراقية، والتي تشمل البوكمال والتنف واليعربية وسيمالكا، وقد شهدت افتتاحات متتالية خلال 2025-2026. ففي يونيو 2025 أعيد فتح البوكمال أمام التجارة، تلاه افتتاح التنف في أبريل 2026 للحركة التجارية، مع خطط لافتتاح اليعربية وسيمالكا. ويمثل الممر العراقي بوابة نحو سوق استهلاكية كبيرة، وربطاً محتملاً مع مسارات الترانزيت شرقاً.
وفي المرتبة الرابعة تأتي المعابر اللبنانية، وتشمل جديدة يابوس والعريضة وجوسية، إضافة إلى جسر قمار والدبوسية قيد التجهيز. ويعد محور المصنع–جديدة يابوس الشريان الرئيسي الذي يربط بيروت بدمشق، لكنه يظل الأكثر هشاشة أمام الاضطرابات الأمنية، حيث كشف إغلاقه المؤقت عن خسائر قدرت بنحو 100 ألف دولار يومياً لمرفأ طرابلس اللبناني نتيجة تعليق بضائع الترانزيت.
الموانئ البحرية امتداد طبيعي
لا تقتصر منظومة المعابر على النقاط البرية، بل تمتد لتشمل مينائي اللاذقية وطرطوس، اللذين شهدا تحولاً لافتاً. ففي خطوة تعكس عودة الثقة بموقع سوريا الاستراتيجي، جرى مؤخراً تحميل أول شحنة سيارات "ترانزيت" قادمة من الإمارات باتجاه الأسواق الأوروبية عبر مرفأ اللاذقية، ضمن مسار يربط الخليج العربي بأوروبا عبر الأراضي السورية.
ودعمت الحكومة هذا التوجه بتوقيع اتفاقيات استثمارية كبرى، منها اتفاق مع شركة "CMA CGM" الفرنسية لتشغيل محطة حاويات اللاذقية بقيمة 230 مليون يورو، وآخر مع "موانئ دبي العالمية" لإدارة وتشغيل مرفأ طرطوس بقيمة 800 مليون دولار.
تحديات تواجه الانتعاش
رغم المؤشرات الإيجابية، يواجه اقتصاد المعابر في سوريا تحديات عدة، أبرزها
تضرر البنية التحتية للطرق والجسور المؤدية للمعابر، ما يستدعي استثمارات كبيرة لإعادة التأهيل.
ثم الحاجة إلى تحديث القوانين الجمركية التي ما تزال قديمة وغير ملائمة للمرحلة الجديدة.
وعدم استقرار سوق الصرف وصعوبات التحويلات المالية من وإلى سوريا.
إلى جانب ضرورة بناء منظومة تشغيلية محوكمة توفر عوامل الثقة والأمان والكفاءة.
اقتصاد جديد
يبدو أن المعابر البرية السورية تعيد اليوم رسم خريطة التجارة الإقليمية، فمع عودة فتح معظمها وتدفق البضائع والشاحنات، تستعيد سوريا تدريجياً دورها كممر بري يربط الخليج بتركيا وأوروبا، وكبوابة لوجستية شرق المتوسط. غير أن تحويل هذا الزخم إلى تعافٍ اقتصادي ملموس يتطلب استكمال جهود تأهيل البنى التحتية، وتحديث التشريعات، وتعزيز التنسيق الأمني مع دول الجوار. فالمعابر ليست مجرد نقاط عبور، بل مرآة لسيادة الدولة وقدرتها على الاندماج في اقتصاد إقليمي متكامل، ومقياس حقيقي لمدى نجاح مسار التعافي السوري.


