سوريا - اقتصاد
ارتفاع جديد.. الدولار والمازوت يهاجمان جيوب السوريين قبيل الشتاء
ارتفاع تكاليف الطاقة وتقلبات سعر الصرف يثيران مخاوف من موجة غلاء جديدة.. وخبراء يدعون إلى إصلاح آليات السوق وتكييف الإنتاج مع تراجع القدرة الشرائية
ن
نورا حربا
نشر في: ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٣٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
وتزداد هذه الضغوط مع تجاوز سعر صرف الدولار 142 ليرة سورية جديدة، وارتفاع سعر ليتر المازوت إلى نحو 180 ليرة جديدة، وسط مخاوف من انعكاس ارتفاع تكاليف الطاقة وتقلبات الصرف على أسعار السلع والنقل والتدفئة، وإضعاف قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
وفي وقت تعيد فيه العائلات ترتيب أولوياتها، تتجدد التساؤلات حول قدرة الأسواق على استيعاب هذه المتغيرات، والسياسات المطلوبة لتخفيف أثرها على المواطنين، من إصلاح آليات السوق وتحفيز الإنتاج إلى حماية القدرة الشرائية للأسر.
إصلاح آليات السوق بدلاً من التدخل المباشر
يرى عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، "لؤي الأشقر"، في حديثه لـ«العين السورية»، أن:
❝ضبط الأسعار في ظل تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 140 ليرة سورية جديدة، وانتهاج سياسة اقتصاد السوق الحر، لا يتحقق عبر التسعير الجبري والتدخل المباشر❞مضيفاً أنهما أثبتا عدم فاعليتهما وقد يؤديان إلى ندرة السلع، بل من خلال إصلاح آليات السوق نفسها.
ويوضح الأشقر أن ذلك يتطلب العمل على توحيد سعر الصرف وتحقيق تعويم مدروس له، بما يسمح له بعكس السعر الحقيقي في السوق والحد من الفجوة مع السوق الموازية ومكاسبها، إلى جانب تحفيز الإنتاج والمنافسة عبر تخفيض الضرائب والرسوم على المنتج المحلي وتسهيل إجراءات التراخيص، بما يساعد على توفير بدائل وطنية أقل كلفة وزيادة المعروض.
كما يشير إلى أهمية جذب القطع الأجنبي عبر تعزيز الثقة، وتسهيل عودة الحوالات من خلال القنوات الرسمية بأسعار منافسة، وتشجيع الاستثمار عبر ضمانات واضحة لحركة رأس المال وحماية الملكية.
اختلال العرض والطلب وراء ضغوط سعر الصرف
ويعزو الأشقر تجاوز سعر صرف الدولار حاجز 140 ليرة جديدة إلى اختلال العرض والطلب، معتبراً أن الأمر لا يرتبط بالمضاربة وحدها، بل يتصل أيضاً بمحدودية المعروض من القطع الأجنبي نتيجة ضعف الصادرات وتراجع التحويلات والاستثمارات، مقابل ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الاستيراد.
ويضيف أن وجود أكثر من سعر للصرف يسهم في نشوء سوق موازية، وقد يفتح المجال أمام ممارسات احتكارية وعمليات تهريب، ما يستدعي، وفق رأيه، معالجة الاختلالات الأساسية في السوق بدلاً من الاقتصار على إجراءات مؤقتة.
ومع ارتفاع تكاليف الطاقة بالتزامن مع تقلبات الصرف، تزداد أهمية مراقبة انعكاسات هذه المتغيرات على أسعار السلع والخدمات، ولا سيما المواد الأساسية التي تشكل الجزء الأكبر من إنفاق الأسر.
من الكماليات إلى الضروريات.. تبدل خيارات المستهلكين
في موازاة هذه التطورات، تشهد الأسواق المحلية تغيرات في سلوك المستهلكين وأنماط الإنفاق، مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي يدفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ويدفع الأنشطة التجارية والصناعية إلى مراجعة طبيعة المنتجات وأحجام العبوات والأسعار بما يتناسب مع متطلبات السوق.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رضوان الدبس، في حديثه لـ«العين السورية»، أن التغير في عادات الشراء لم يعد مجرد استجابة مؤقتة لارتفاع الأسعار، بل بات يعكس تحولاً في آليات اتخاذ القرارات الاستهلاكية.
ويوضح أن الأسر أصبحت تحدد احتياجاتها الأساسية أولاً، ثم توزع ما يتبقى من دخلها على الالتزامات الأخرى وفق ترتيب الأولويات، مع تقديم النفقات الضرورية على غيرها.
ويشير الدبس إلى أن الغذاء يستحوذ على نحو 52 بالمئة من أولويات الإنفاق الأسري، فيما تتوزع النفقات المتبقية على الطاقة والمياه والصحة والنقل والتعليم والاتصالات والسكن وسداد الديون وغيرها من الالتزامات.
ويلفت إلى أن الأسر باتت تميل إلى شراء السلع الأقل سعراً والعبوات الصغيرة والبدائل الاقتصادية، بالتزامن مع تراجع الإنفاق على الملابس والأجهزة المنزلية والمطاعم والترفيه.
كما اضطرت بعض العائلات، بحسب الدبس، إلى تقليص مشترياتها من اللحوم والألبان والبيض، وقد يمتد التقشف في بعض الحالات إلى احتياجات صحية وتعليمية أساسية، بما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر في تأمين متطلباتها اليومية.
فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف المعيشة
ويوضح الدبس أن تكلفة الحد الأدنى لسلة إنفاق أسرة مؤلفة من خمسة أفراد بلغت نحو 2.43 مليون ليرة سورية في شباط 2026، في حين غطى الحد الأدنى الرسمي للأجور نحو 31 بالمئة منها، وفق الأرقام التي يستند إليها، ما يعكس اتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
ويضيف أن محدودية السيولة دفعت بعض الأسر إلى شراء احتياجاتها بكميات صغيرة وعلى فترات متقاربة، أو الاعتماد على الدين والتقسيط والتحويلات والمساعدات لتغطية النفقات الضرورية.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تبرز تكاليف التدفئة والطاقة بوصفها عبئاً إضافياً على الميزانيات الأسرية، ولا سيما لدى العائلات التي لا تتناسب دخولها مع الارتفاع المحتمل في تكاليف الاحتياجات الأساسية.
هل يتكيف الإنتاج مع تراجع القدرة الشرائية؟
ويرى الدبس أن التحولات في سلوك المستهلكين أعادت تشكيل الطلب في الأسواق، مع تراجع الإقبال على السلع مرتفعة السعر والمنتجات غير الأساسية، مقابل استمرار الطلب النسبي على المواد الغذائية والسلع الاقتصادية.
وتفرض هذه المتغيرات، بحسب رأيه، على الفعاليات التجارية والصناعية مراجعة سياسات الإنتاج والتسعير والتوزيع، وتطوير منتجات تتناسب مع مستويات الدخل، وتوفير عبوات أصغر وخيارات متنوعة الأسعار، إلى جانب تعزيز كفاءة الإنتاج وترشيد التكاليف للحفاظ على القدرة التنافسية واستمرار حركة البيع.
ويشير إلى أن استمرار الضغوط المعيشية لفترات طويلة قد يحول بعض الممارسات التقشفية إلى عادات ثابتة، حتى في حال تحسن الدخل أو تراجع الأسعار نسبياً، نتيجة تغير مفهوم الاحتياجات الضرورية لدى الأسر.
ويؤكد أن تداعيات ارتفاع تكاليف المعيشة لا تقتصر على ميزانيات العائلات، بل تمتد إلى بنية الطلب وحركة الأسواق والقرارات الإنتاجية والتجارية، ما يجعل تقليص الفجوة بين الدخل وتكاليف الاحتياجات الأساسية عاملاً مهماً في استعادة التوازن الاستهلاكي وتنشيط الفعاليات التجارية والصناعية.
بين ضبط الأسواق ودعم الأسر
في ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى إجراءات متوازية لمعالجة الضغوط المعيشية، تبدأ بمتابعة حركة الأسعار وتكاليف الإنتاج والنقل، والتحقق من انعكاس تغيرات سعر الصرف والمازوت على أسعار السلع، بما يحد من الممارسات غير المبررة، مع مراعاة الكلف الفعلية للمنتجين والتجار.
وفي المقابل، تزداد أهمية توجيه الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجاً، بما يساعدها على تأمين احتياجاتها الأساسية، ولا سيما الغذاء والتدفئة والصحة والتعليم، في وقت تتراجع فيه قدرتها على استيعاب أعباء معيشية إضافية.
وبين تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة واقتراب الشتاء، يبقى التحدي الأساسي في الحد من انعكاس هذه المتغيرات على حياة المواطنين، عبر سياسات اقتصادية أكثر فاعلية، وإجراءات رقابية تستند إلى معطيات السوق، وتدابير اجتماعية تراعي الفئات الأكثر تضرراً، بما يساعد على تخفيف الأعباء المعيشية والحفاظ على القدرة الشرائية للأسر السورية.


