سوريا - اقتصاد
بيوت قليلة وأحلام كثيرة.. أزمة السكن تضغط على درعا وتثير هواجس المغتربين
عودة المغتربين تزيد الطلب على السكن في درعا وسط نقص المساكن وارتفاع تكاليف البناء
ل
ليلى حسين
نشر في: ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٢:٣٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
لا تنتهي رحلة العودة عند فتح حقيبة السفر ولقاء العائلة بعد سنوات من الغياب؛ فبعد فرحة الوصول، يبدأ البحث عن بيت يجمع الأسرة ويمنحها الاستقرار. وفي درعا، يجد بعض العائدين أن مدخرات الغربة تواجه أسعاراً مرتفعة، بينما يحاول السكان المقيمون الحفاظ على مساكنهم ضمن دخول محدودة.
لم تعد عودة المغتربين إلى المحافظة مشهداً اجتماعياً فحسب؛ فكل عائلة تبحث عن مسكن تدخل دائرة الطلب في سوق يعاني نقصاً في المنازل المتاحة، وتضرر جزء من مخزونه السكني، وارتفاع تكاليف الأرض والبناء.

وبين مغترب يحمل مدخرات سنوات من العمل في الخارج، ومقيم يحاول تأمين منزل يناسب دخله، تتغير ملامح المنافسة في السوق. ويبقى السؤال: إلى أي حد أثرت عودة المغتربين في أسعار السكن، ومن يتحمل كلفة هذا التغيير؟
العرض والطلب.. تفاوت القدرة الشرائية
يربط المحامي فوزي عوير ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات بقاعدة العرض والطلب؛ فبعد سنوات غاب خلالها عدد كبير من أبناء المحافظة خارج البلاد أو بعيداً عن مناطقهم، بدأت عائلات بالعودة، وارتفع معها الطلب على شراء المنازل واستئجارها.
ويشير عوير إلى أن بعض المغتربين يمتلكون قدرة شرائية أعلى من السكان المحليين، ما قد يدفع بعض أصحاب العقارات إلى رفع الأسعار عندما يجدون مشترياً أو مستأجراً قادراً على الدفع.
ولا تعني هذه القدرة المالية أن جميع المغتربين يستطيعون شراء العقارات، لكنها غيّرت، بحسب الشهادات، شكل المنافسة داخل السوق؛ فقد يجد مالك المنزل فرصة لتأجيره بسعر أعلى لقادم من الخارج، خصوصاً إذا كان مستعداً للدفع بالدولار.
ومن وجهة نظر المستأجر المحلي، يقول السائق غسان محاميد لـ«العين السورية»:
❝«أدفع نحو 200 دولار شهرياً بدل إيجار منزلي، وارتفاع الإيجارات يرتبط بجشع بعض المالكين وغياب الرقابة. في المقابل، بعض القادمين من الخارج مستعدون لدفع 400 أو 500 دولار مقابل منزل لفترة قصيرة، وهو مبلغ يعجز السكان المحليون عن مجاراته».❞

بالنسبة إلى المستأجر، لا تبدو هذه الأرقام مجرد حركة عابرة في السوق؛ فزيادة الإيجار تعني اقتطاع جزء أكبر من دخله، وربما الانتقال إلى منزل أصغر أو منطقة أبعد، أو البقاء في مسكن غير ملائم تجنباً لكلفة جديدة. وهنا تتجاوز المشكلة القدرة على شراء منزل، لتصل إلى القدرة على الاستمرار في دفع إيجاره.
فجوة المعروض ونقص المساكن
لكن تحميل المغتربين وحدهم مسؤولية ارتفاع الأسعار لا يفسر الصورة كاملة.
يرى المختص بالعقارات عدنان عبيد أن المشكلة تبدأ من فجوة أوسع بين الطلب والمعروض.
ويوضح أن الحاجة إلى شراء المنازل واستئجارها ارتفعت لدى العائدين والمقيمين معاً، بينما لا تكفي المساكن القائمة لاستيعاب الجميع.
ويشير إلى أن تضرر ودمار جزء من الأبنية خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع كبير في المخزون السكني المتاح.
ويشير إلى أن تضرر ودمار جزء من الأبنية خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع كبير في المخزون السكني المتاح.

وبحسب عبيد، بدأ الاستثمار في البناء يتحسن تدريجياً، لكن الاحتياج ما يزال يفوق المعروض بكثير. فالمغترب العائد يزيد الطلب، غير أن أثر هذا الطلب يتعاظم عندما لا تتوافر وحدات بديلة كافية، ما يبقي الضغط على الأسعار مستمراً.
أرقام وتجارب من سوق درعا
يقدم المغترب قاسم محمد أحمد، العائد من الإمارات، صورة عن تكاليف السكن؛ إذ استأجر منزلاً بنحو 400 دولار شهرياً، قبل أن يقرر شراء شقة قديمة غير مكسية «على العظم» في حي القصور، بمساحة 125 متراً مربعاً، مقابل 70 ألف دولار.
ويوضح أحمد أن الشقة تحتاج إلى مبالغ وتجهيزات إضافية كبيرة لتصبح صالحة للسكن.
ويضيف أن أسعار المنازل الجديدة المكتملة تصل، بحسب المنطقة، إلى ما بين 120 و140 ألف دولار أو تتجاوز ذلك، فيما يقدّر سعر المتر المربع غير المكسو بما بين 600 و700 دولار.
ويربط جانباً من هذه الأسعار بارتفاع كلفة الأراضي ومواد البناء، ولا سيما الأسمنت والحديد، إلى جانب تكاليف الإنشاء.
وتظهر هذه التجربة أن امتلاك مدخرات بالعملة الصعبة لا يضمن بسهولة شراء منزل ملائم. وهو ما يواجهه أيضاً المغترب نزار حسين، المقيم في هولندا، الذي تعيقه الأسعار الحالية عن تأمين مسكن للعودة والاستقرار مع عائلته.
وهكذا، تحمل العودة وجهين في سوق السكن: فهي تزيد الطلب، بينما قد تصبح كلفة المنزل نفسها عائقاً أمام عودة بعض المغتربين.
وفي المقابل، دفعت الأسعار بعضهم إلى التفكير بخيارات خارج المحافظة، مثل شراء عقارات في تركيا أو دبي، وفق تجاربهم الشخصية وظروف العمل والاستقرار، ما يشير إلى بدائل يفاضلون بينها وبين السوق المحلية.
التوسع العمراني.. وتحدي الخدمات
من جهته، يرى صاحب مكتب العقارات خالد محاميد أن المعالجة تتطلب التوسع خارج الرقعة العمرانية الحالية.

ويلفت إلى مشروعي «الضاحية» و«الكاشف» بوصفهما فرصتين لتوفير نحو 600 إلى 700 محضر سكني جديد، مشيراً إلى أن بطء الإجراءات والإشكالات الإدارية لدى الجهات المعنية يعوق استكمالهما، إلى جانب ارتفاع تكاليف التراخيص والبناء.
غير أن توفير الأرض وحده لا يكفي؛ إذ يوضح محاميد أن المناطق الريفية، رغم انخفاض الضغط العقاري فيها مقارنة بقلب المدينة، تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء ومياه الشرب والطرق والمواصلات.
فالعائلة التي تبحث عن مسكن تحتاج إلى بيئة تتيح لها العمل والتنقل وتأمين احتياجاتها، وليس إلى جدران وسقف فقط.
هل تتسع درعا للعائدين والمقيمين؟
تقف أزمة السكن في درعا عند تقاطع التخطيط العمراني، وتوافر الأراضي المخدمة، وسرعة إنجاز المشاريع، وقدرة المستثمرين على بناء وحدات تناسب دخول الفئات المختلفة.
وفي قلب هذه المعادلة، يقف المواطن المقيم الذي تضغط الأسعار على ميزانيته، وقد تدفعه إلى الانتظار أو البحث عن بدائل أقل ملاءمة، إلى جانب المغترب الذي يريد تحويل سنوات الغياب إلى استقرار في مدينته.
وتشير الشهادات إلى أن المشكلة تتجاوز عودة المغتربين، لتتصل بالفجوة بين الطلب المتزايد والمعروض المحدود. فدرعا تحتاج إلى عودة أبنائها، لكن هذه العودة تحتاج أيضاً إلى مساكن تستوعبهم، من دون زيادة الضغوط المعيشية على المقيمين.


