لم يُنهِ الكشف الأولي على الأبخرة المتصاعدة في محيط جبل كوكب بريف الحسكة قلق الأهالي. ورغم التطمينات التي تلقوها، لا يزال سكان المناطق القريبة ينتظرون معرفة مصدرها، وما إذا كانت تشكل خطراً على أطفالهم ومنازلهم.
ومع انتشار تسجيلات مصورة للظاهرة، تعددت التفسيرات؛ بعضها ربطها بالهزة الأرضية التي شهدتها المنطقة مؤخراً، وبعضها أعاد الحديث عن التاريخ البركاني للجبل. وبين هذه الروايات، بدأت الجهات المختصة أعمال الكشف والدراسة، من دون إعلان نتيجة نهائية تحسم طبيعة الانبعاثات. من موقع المعاينة
في صور خاصة بـ«العين السورية»، يظهر أفراد من الدفاع المدني وهم يجهزون معداتهم قرب المركبات، ويساعدون زملاءهم على ارتداء بدلات واقية بيضاء وأقنعة تنفس وقفازات. وفي لقطة أخرى، يقترب اثنان يرتديان هذه التجهيزات من فتحة في الأرض، وينحني أحدهما لمعاينتها حاملاً أداة صغيرة.
وتوثق الصور أيضاً تجهيز أجهزة ميدانية وبكرة كابل، وتدوين ملاحظات على أوراق، بمشاركة أفراد يرتدون سترات تحمل شعار المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية. وتظهر في الموقع مركبات للدفاع المدني وسيارة إسعاف، فيما تبدو طائرة مسيّرة في إحدى اللقطات العامة.
وتسجل هذه المشاهد جانباً من العمل الميداني للتحقق من بلاغات الأهالي، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة الانبعاثات أو نتائج فحصها.
معاينة ميدانية في محيط جبل كوكب باستخدام بدلات واقية وأقنعة تنفس - صور خاصة بـ"العين السورية"ماذا أظهر الفحص الأولي؟
قال مدير مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في الحسكة، عبد الحليم الشهاب، لـ«العين السورية»، إن المديرية تلقت بلاغاً عن تصاعد دخان أبيض أشبه بالغازات في جبل كوكب، بالتزامن مع تداول عدد من التسجيلات المصورة.
وأوضح أن لجنة مشتركة زارت الموقع، وضمت ممثلين عن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ووزارة الطاقة، إلى جانب المؤسسة العامة للجيولوجيا والمركز الوطني للزلازل وإدارة التعامل مع المواد الخطرة.
وبحسب الشهاب، لم تشاهد اللجنة تشققات أو تغيرات في التربة خلال الكشف، كما أُجري فحص أولي للأبخرة لم تظهر فيه مؤشرات على وجود غازات سامة.
وأضاف أن المؤشرات الأولية لا تشير إلى مخاطر غازية أو بركانية، مؤكداً أن اللجنة تواصل إعداد نتائجها النهائية لتحديد طبيعة الظاهرة وما إذا كانت تنطوي على مخاطر.
هل ظهرت الأبخرة بعد الهزة؟ أثار توقيت ظهور الأبخرة تساؤلات عن احتمال ارتباطها بالهزة الأرضية الأخيرة، لكن الإفادات حول بداية الظاهرة لم تتطابق. فبينما قال أحد الأهالي إنها ظهرت بعد الهزة، أوضح الشهاب أن المعلومات التي وصلت إلى المديرية تشير إلى أنها سبقتها، استناداً إلى ما ذكره الشخص الذي ظهر في أحد المقاطع المتداولة.
ولم يُحسم هذا الاختلاف بعد، كما لم تعلن الجهات المختصة نتيجة تثبت وجود علاقة بين الحدثين. ويظل تحديد موعد بدء الانبعاثات ضرورياً لدراستها، قبل الاستناد إلى توقيتها لتفسير سببها.
دراسات لتتبع الفالق والانبعاثات
وبالتوازي مع الكشف الأولي، بدأت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية دراسة ميدانية للظاهرة.
وقال الدكتور محمد عصام السويدي، الجيولوجي في المؤسسة، لـ«العين السورية»، إن الفريق حضر إلى المنطقة لدراسة انبعاث الغازات، موضحاً أن العمل سيشمل دراسات جيوفيزيائية لتحديد مسار الفالق الموجود فيها، ومتابعة المواقع التي تظهر فيها الانبعاثات.
وأضاف أن الفريق سيأخذ عينات من التربة ونطاق الفالق، لتحليلها لاحقاً والاستفادة من نتائجها في تحديد طبيعة الظاهرة ومصدرها.
وأكد السويدي أن العمل لا يزال في بدايته، وأن الوصول إلى نتائج دقيقة يحتاج إلى وقت واستكمال الدراسات الميدانية والتحاليل اللازمة.
وعن مخاوف السكان، قال إن المعطيات الحالية لا تستدعي إثارة الرعب أو تخويف المواطنين، وإن ما يظهر في هذه المرحلة يسير باتجاه مطمئن، مع انتظار نتائج الدراسات.
تجهيز معدات ميدانية وتدوين ملاحظات خلال الكشف على الموقع، بمشاركة الدفاع المدني وأفراد من المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية — خاص «العين السورية». التشققات والانخسافات.. سؤال لم يُحسم
كانت المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية قد تحدثت عن انخسافات وتشققات سطحية رُصدت في منطقة جبل كوكب، وأكدت أن تحديد أسبابها يحتاج إلى قياسات ودراسات متخصصة. في المقابل، قال الشهاب إن اللجنة المشتركة لم تلاحظ تشققات أو تغيرات في التربة خلال كشفها الأخير.
ولا توضح المعلومات المتاحة ما إذا كانت المعاينات قد شملت المواقع نفسها. لذلك، يبقى تفسير اختلاف الملاحظات مرتبطاً بتحديد نقاط الرصد وتوقيته، وهي تفاصيل يُنتظر أن تستكملها الدراسة الميدانية.
الأهالي يريدون الاطمئنان على منازلهم
يقول سالم المحمد، من أبناء الصالحية القريبة من جبل كوكب، إن مشاهدة الأبخرة أثارت الخوف لدى السكان، مطالباً الجهات المختصة بتقديم توضيحات تطمئنهم وتشرح طبيعة ما يحدث.
ويشير إلى أن روايات متداولة منذ سنوات عن التاريخ البركاني للجبل زادت مخاوف الأهالي من احتمال وجود حمم أو نشاط تحت الأرض. غير أن الحديث عن تاريخ الجبل لا يحسم وجود نشاط بركاني حالي، وهو ما لم تؤكده نتائج نهائية معلنة حتى الآن.
أما عبد الغني محمد، من أبناء العزيزية، فيقول إن الأهالي شاهدوا الدخان وأبلغوا الجهات المعنية، قبل وصول مديرية الطوارئ إلى الموقع للكشف عليه.
ويضيف أن الفحص الأولي منح السكان قدراً من الطمأنينة، لكن المخاوف ما تزال قائمة، خصوصاً بشأن سلامة الأطفال والمنازل إذا تبين لاحقاً وجود خطر.
بانتظار تفسير واضح
حتى الآن، لم يُعلن مصدر الأبخرة أو تركيبها بصورة نهائية. والمتاح هو فحص أولي لم يُظهر مؤشرات على غازات سامة، بحسب الشهاب، ودراسات جيولوجية بدأت لتتبع الانبعاثات وفحص التربة ونطاق الفالق.
ويُنتظر أن توضح النتائج علاقتها المحتملة بالفوالق أو المياه الجوفية، وما رُصد من تشققات وانخسافات، وأي معطيات زلزالية ذات صلة. كما يبقى السؤال قائماً حول حاجة الموقع إلى مراقبة مستمرة بعد انتهاء الكشف.
ولا تتضمن التصريحات الواردة ما يثبت حدوث ثوران بركاني، فيما تظل التطمينات الأولية مرتبطة بالفحوص التي أُجريت، إلى حين استكمال الدراسة.