سوريا - مجتمع
«الموكامبو» في حلب.. اسم بين حكاية نادٍ وفيلم وذاكرة ضاحية
شهادات سكان وروايات منشورة تتقاطع حول نشأة الحي، لكنها لا تحسم أصل تسميته بوثيقة معاصرة لبداياته.
ه
همام فيض الله
نشر في: ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - حلب
خلف الأسماء التي تحملها أحياء المدن حكايات تختزن جانباً من تاريخها وتحولاتها الاجتماعية والعمرانية، فبعضها ارتبط بشخصيات تركت بصمتها في المكان، وبعضها الآخر استمد تسميته من مهن قديمة أو معالم جغرافية، فيما احتفظت أحياء أخرى بأسماء غير مألوفة، تناقلتها الأجيال حتى أصبحت جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الشعبية.
وفي مدينة حلب، يبرز حي «الموكامبو» بوصفه واحداً من الأحياء التي تثير أسماؤها الفضول، إذ يحمل تسمية تبدو بعيدة عن الأسماء التقليدية للأحياء الحلبية، رغم حضوره المعروف في الحياة الاجتماعية والتجارية للمدينة.
ومع أن الحي أصبح من المناطق السكنية والتجارية المعروفة في حلب، فإن أصل تسميته لا يزال موضع روايات متعددة، تتداخل فيها حكايات الفنادق والأماكن الترفيهية والسينما الأجنبية مع تاريخ المشاريع العمرانية التي شهدتها المدينة خلال القرن الماضي.
فكيف ظهر اسم «الموكامبو»؟ وما علاقته بالتحولات العمرانية التي شهدتها حلب؟ ومن هم المستثمرون الذين أسهموا في نشأة الحي وتوسعه حتى أصبح واحداً من أبرز مناطق المدينة؟
من أطراف حلب إلى أحد أحيائها المعروفة
يقع حي «الموكامبو» في الجهة الغربية من مدينة حلب، ضمن المناطق التي شهدت توسعاً عمرانياً خارج النسيج التاريخي للمدينة، ولا سيما خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حين بدأت تظهر مشاريع سكنية جديدة تختلف في تخطيطها وطبيعة أبنيتها عن الأحياء الحلبية القديمة.
ولم يتشكل الحي بصورته الحالية دفعة واحدة، بل مر بمراحل متعاقبة من التطور العمراني، بدأت بمشاريع سكنية ضمت منازل مستقلة وفيلات، قبل أن تتوسع الأبنية السكنية وتزداد الكثافة العمرانية، وصولاً إلى التحول التدريجي نحو النشاط التجاري.
وعلى الرغم من شهرة الحي، فإن تحديد الأصل التاريخي لاسمه يبقى مسألة غير محسومة، في ظل تعدد الروايات المتداولة وغياب وثيقة تاريخية قاطعة تثبت مصدر التسمية وتاريخ اعتمادها.
من أين جاء اسم «الموكامبو»؟
تتداول الذاكرة الشعبية في حلب أكثر من رواية لتفسير الاسم، أبرزها رواية تربطه بوجود منشأة ترفيهية أو فندق حمل اسم «موكامبو»، قبل أن تنتقل التسمية تدريجياً إلى المنطقة المحيطة به، ثم تصبح اسماً متعارفاً عليه للحي بأكمله.
وتستند هذه الرواية إلى طبيعة المرحلة التي شهدت انتشار أسماء أجنبية للفنادق والمقاهي والمنشآت الترفيهية، في سياق التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المدن الكبرى، ومنها حلب، خلال منتصف القرن العشرين.
وبحسب هذه الرواية، فإن شهرة المنشأة التي حملت الاسم ربما أسهمت في ترسيخه في الاستخدام اليومي للسكان، حتى غلب على التسمية الأصلية للمنطقة، إن كانت لها تسمية سابقة.
في المقابل، تربط رواية أخرى الاسم بالسينما الأجنبية، وتحديداً بالفيلم الأمريكي «Mogambo»، الذي صدر عام 1953، وأخرجه جون فورد، وشارك في بطولته كلارك غيبل وآفا غاردنر وغريس كيلي.
وتقوم هذه الفرضية على احتمال تأثر تسمية المنطقة باسم الفيلم، في مرحلة شهدت حضوراً للأعمال السينمائية الأجنبية في الحياة الثقافية، غير أن التشابه بين الاسمين لا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة تاريخية مباشرة بين الفيلم والحي.
وبين الروايتين، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن المصدر الحقيقي للاسم، وما إذا كان قد ارتبط بمنشأة قائمة في المنطقة، أم تأثر بعمل سينمائي، أم أن وراءه حكاية أخرى لم توثق بعد.
مشاريع سكنية وبدايات التوسع العمراني
بعيداً عن الجدل المتعلق بأصل التسمية، ترتبط نشأة حي «الموكامبو» بتاريخ التوسع العمراني في الجهة الغربية من حلب، وبالمشاريع العقارية التي أسهمت في تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق سكنية حديثة نسبياً.
وفي حديث خاص لموقع «العين السورية»، يقول سامي برابيكو، أحد سكان حي الموكامبو، إن تسمية الحي لا تستند، بحسب معرفته، إلى رواية تاريخية موثقة، مشيراً إلى تداول تفسيرات مختلفة بين السكان بشأن أصل الاسم.
ويضيف برابيكو أن إحدى الروايات التي يعرفها تربط تأسيس الحي برجل الأعمال موريس عبجي، الذي أنشأ مشروعاً سكنياً اتسم بطابع عمراني حديث مقارنة بالأبنية السائدة في حلب خلال تلك الفترة.
ويوضح أن المنازل والأبنية التي ضمها المشروع تميزت بمستوى عمراني مختلف نسبياً، انعكس على أسعار العقارات التي كانت أعلى من أسعار المنازل في عدد من المناطق الأخرى بالمدينة.
وبحسب برابيكو، لم يتوقف التوسع العمراني عند المراحل الأولى، إذ شهدت المنطقة توسعاً إضافياً مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما أطلق عبجي مشروعاً سكنياً آخر بالقرب من مدرسة الكندي ونادي الاتحاد.
وتعد مدرسة الكندي، وهي مدرسة إعدادية، من المعالم التعليمية القديمة في المنطقة، فيما ارتبط اسم الحي أيضاً بنادي الاتحاد، أحد أبرز الأندية الرياضية السورية وأكثرها حضوراً في مدينة حلب.
ومع اتساع المشاريع السكنية، بدأت المنطقة تكتسب تدريجياً ملامح حي متكامل، رغم محدودية وسائل النقل والخدمات في بعض مراحل تطورها.
ولم يبق النشاط في الموكامبو محصوراً بالسكن، إذ شهد الحي، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تحولاً تدريجياً نحو النشاط التجاري، مع انتشار المحال والأسواق والخدمات، ليصبح لاحقاً من المناطق الحيوية التي يقصدها السكان للتسوق، إلى جانب طابعه السكني.
«الباسيلية».. مشروع عمراني سبق شهرة الموكامبو
تقدم شهادة أخرى من سكان الحي القدامى تفاصيل أوسع عن المراحل الأولى لنشأة المنطقة، وتعيد بداياتها إلى ما قبل التوسع السكني الذي شهدته خلال خمسينيات القرن الماضي.
ويقول باسل كيالي، أحد السكان القدامى في الحي، في حديث خاص لـ«العين السورية»، إن جذور التوسع العمراني في المنطقة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بيعت مساحات واسعة من الأراضي الواقعة غرب حلب، ضمن التوجه نحو توسيع المدينة خارج حدودها العمرانية القديمة.
وبحسب رواية كيالي، شهدت تلك المرحلة دخول عدد من المستثمرين إلى المنطقة، ومن بينهم المستثمر باسيل عجبي، الذي يُقال إنه استملك مساحات واسعة من الأراضي امتدت من منطقة الدوار المائل، وسط الحي الحالي، وصولاً إلى منطقة الخالدية شمالاً، التي كانت آنذاك تابعة لقرية الليرمون.
ويوضح كيالي أن عجبي أطلق على مشروعه العمراني اسم «الباسيلية»، بهدف إنشاء ضاحية سكنية تضم مجموعة من المرافق والخدمات، وفق تصور عمراني مختلف عن النمط السائد في الأحياء القديمة.
ويشير إلى أن المخطط شمل مقراً للإدارة وناديين، أحدهما صيفي والآخر شتوي، فيما امتدت حدود المشروع غرباً حتى منطقة جمعية المعلمين، حيث يقع اليوم مشفى الأندلس، وشمالاً باتجاه الخالدية.
وتكشف هذه الرواية جانباً من طبيعة المشاريع السكنية التي بدأت تظهر في حلب خلال تلك المرحلة، إذ لم تكن تقتصر على تقسيم الأراضي وبناء المنازل، بل تضمنت مرافق اجتماعية وترفيهية ضمن المخططات العمرانية.
من الفيلات إلى حي سكني مرتفع الأسعار
وفقاً لشهادة باسل كيالي، بدأ تنفيذ مشروع «الباسيلية» نحو عام 1945، وشهد تشييد مجموعة من الفيلات التي امتلكها عدد من أبناء مدينة حلب، من بينهم محمد مرعشي ومحمد شربجي وعبد الغني ناولو وفائز محفل، إلى جانب آخرين.
ومع دخول خمسينيات القرن الماضي، اتسعت حركة البناء في المنطقة، وبدأ مزيد من العائلات الحلبية بشراء الأراضي وإقامة المنازل والفيلات، ما أسهم في تحول المشروع تدريجياً إلى تجمع سكني آخذ في الاتساع.
ويذكر كيالي أن عائلات من آل وفائي وكيالي كانت من بين العائلات التي بنت منازلها على أراضٍ اشترتها ضمن المشروع، قبل أن يتوسع البناء مع تشييد نوري الجسري منزله، ثم مأمون كيخيا، وغيرهما من السكان الذين أسهموا في تشكيل النواة العمرانية للحي.
ومع مرور الوقت، تحولت المنطقة من مشروع يضم عدداً محدوداً من الفيلات والمنازل إلى حي سكني معروف، تميز بطبيعة أبنيته ومستوى العقارات فيه، حتى أصبح، بحسب روايات السكان، من الأحياء مرتفعة الأسعار في مدينة حلب.
وساعد هذا التطور العمراني على ترسيخ مكانة الموكامبو ضمن خريطة المدينة، قبل أن تضيف الحركة التجارية اللاحقة بعداً جديداً إلى هويته، ليجمع بين السكن والأسواق والخدمات.
اسم غامض وذاكرة عمرانية ممتدة
تكشف الروايات التي جمعتها «العين السورية» من سكان حي الموكامبو عن جانب من التحولات التي شهدتها مدينة حلب خلال القرن الماضي، عندما بدأت المشاريع السكنية الحديثة بالامتداد غرباً، وتغيرت معها طبيعة العمران وأنماط السكن والحياة الاجتماعية.
لكن هذه الشهادات، على أهميتها في توثيق الذاكرة المحلية، لا تحسم جميع التفاصيل التاريخية، ولا سيما ما يتعلق بأصل التسمية، والتسلسل الزمني لبعض المشاريع، وهوية المستثمرين الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل تأسيس الحي وتوسعه.
كما أن اختلاف الأسماء والتواريخ الواردة في الروايات يبرز الحاجة إلى العودة إلى السجلات العقارية والمخططات التنظيمية القديمة ووثائق المشاريع السكنية، إلى جانب الأرشيف الصحفي والإعلاني لتلك المرحلة، للوصول إلى تفسير أكثر دقة لنشأة الحي وتسميته.
خلف الأسماء التي تحملها أحياء المدن حكايات تختزن جانباً من تاريخها وتحولاتها الاجتماعية والعمرانية، فبعضها ارتبط بشخصيات تركت بصمتها في المكان، وبعضها الآخر استمد تسميته من مهن قديمة أو معالم جغرافية، فيما احتفظت أحياء أخرى بأسماء غير مألوفة، تناقلتها الأجيال حتى أصبحت جزءاً من هوية المدينة وذاكرتها الشعبية.
وفي مدينة حلب، يبرز حي «الموكامبو» بوصفه واحداً من الأحياء التي تثير أسماؤها الفضول، إذ يحمل تسمية تبدو بعيدة عن الأسماء التقليدية للأحياء الحلبية، رغم حضوره المعروف في الحياة الاجتماعية والتجارية للمدينة.
ومع أن الحي أصبح من المناطق السكنية والتجارية المعروفة في حلب، فإن أصل تسميته لا يزال موضع روايات متعددة، تتداخل فيها حكايات الفنادق والأماكن الترفيهية والسينما الأجنبية مع تاريخ المشاريع العمرانية التي شهدتها المدينة خلال القرن الماضي.
فكيف ظهر اسم «الموكامبو»؟ وما علاقته بالتحولات العمرانية التي شهدتها حلب؟ ومن هم المستثمرون الذين أسهموا في نشأة الحي وتوسعه حتى أصبح واحداً من أبرز مناطق المدينة؟
من أطراف حلب إلى أحد أحيائها المعروفة
يقع حي «الموكامبو» في الجهة الغربية من مدينة حلب، ضمن المناطق التي شهدت توسعاً عمرانياً خارج النسيج التاريخي للمدينة، ولا سيما خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، حين بدأت تظهر مشاريع سكنية جديدة تختلف في تخطيطها وطبيعة أبنيتها عن الأحياء الحلبية القديمة.
ولم يتشكل الحي بصورته الحالية دفعة واحدة، بل مر بمراحل متعاقبة من التطور العمراني، بدأت بمشاريع سكنية ضمت منازل مستقلة وفيلات، قبل أن تتوسع الأبنية السكنية وتزداد الكثافة العمرانية، وصولاً إلى التحول التدريجي نحو النشاط التجاري.
وعلى الرغم من شهرة الحي، فإن تحديد الأصل التاريخي لاسمه يبقى مسألة غير محسومة، في ظل تعدد الروايات المتداولة وغياب وثيقة تاريخية قاطعة تثبت مصدر التسمية وتاريخ اعتمادها.
من أين جاء اسم «الموكامبو»؟
تتداول الذاكرة الشعبية في حلب أكثر من رواية لتفسير الاسم، أبرزها رواية تربطه بوجود منشأة ترفيهية أو فندق حمل اسم «موكامبو»، قبل أن تنتقل التسمية تدريجياً إلى المنطقة المحيطة به، ثم تصبح اسماً متعارفاً عليه للحي بأكمله.
وتستند هذه الرواية إلى طبيعة المرحلة التي شهدت انتشار أسماء أجنبية للفنادق والمقاهي والمنشآت الترفيهية، في سياق التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المدن الكبرى، ومنها حلب، خلال منتصف القرن العشرين.
وبحسب هذه الرواية، فإن شهرة المنشأة التي حملت الاسم ربما أسهمت في ترسيخه في الاستخدام اليومي للسكان، حتى غلب على التسمية الأصلية للمنطقة، إن كانت لها تسمية سابقة.
في المقابل، تربط رواية أخرى الاسم بالسينما الأجنبية، وتحديداً بالفيلم الأمريكي «Mogambo»، الذي صدر عام 1953، وأخرجه جون فورد، وشارك في بطولته كلارك غيبل وآفا غاردنر وغريس كيلي.
وتقوم هذه الفرضية على احتمال تأثر تسمية المنطقة باسم الفيلم، في مرحلة شهدت حضوراً للأعمال السينمائية الأجنبية في الحياة الثقافية، غير أن التشابه بين الاسمين لا يكفي وحده لإثبات وجود علاقة تاريخية مباشرة بين الفيلم والحي.
وبين الروايتين، يبقى السؤال مفتوحاً بشأن المصدر الحقيقي للاسم، وما إذا كان قد ارتبط بمنشأة قائمة في المنطقة، أم تأثر بعمل سينمائي، أم أن وراءه حكاية أخرى لم توثق بعد.
مشاريع سكنية وبدايات التوسع العمراني
بعيداً عن الجدل المتعلق بأصل التسمية، ترتبط نشأة حي «الموكامبو» بتاريخ التوسع العمراني في الجهة الغربية من حلب، وبالمشاريع العقارية التي أسهمت في تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق سكنية حديثة نسبياً.
وفي حديث خاص لموقع «العين السورية»، يقول سامي برابيكو، أحد سكان حي الموكامبو، إن تسمية الحي لا تستند، بحسب معرفته، إلى رواية تاريخية موثقة، مشيراً إلى تداول تفسيرات مختلفة بين السكان بشأن أصل الاسم.
ويضيف برابيكو أن إحدى الروايات التي يعرفها تربط تأسيس الحي برجل الأعمال موريس عبجي، الذي أنشأ مشروعاً سكنياً اتسم بطابع عمراني حديث مقارنة بالأبنية السائدة في حلب خلال تلك الفترة.
ويوضح أن المنازل والأبنية التي ضمها المشروع تميزت بمستوى عمراني مختلف نسبياً، انعكس على أسعار العقارات التي كانت أعلى من أسعار المنازل في عدد من المناطق الأخرى بالمدينة.
وبحسب برابيكو، لم يتوقف التوسع العمراني عند المراحل الأولى، إذ شهدت المنطقة توسعاً إضافياً مع بداية ثمانينيات القرن الماضي، عندما أطلق عبجي مشروعاً سكنياً آخر بالقرب من مدرسة الكندي ونادي الاتحاد.
وتعد مدرسة الكندي، وهي مدرسة إعدادية، من المعالم التعليمية القديمة في المنطقة، فيما ارتبط اسم الحي أيضاً بنادي الاتحاد، أحد أبرز الأندية الرياضية السورية وأكثرها حضوراً في مدينة حلب.
ومع اتساع المشاريع السكنية، بدأت المنطقة تكتسب تدريجياً ملامح حي متكامل، رغم محدودية وسائل النقل والخدمات في بعض مراحل تطورها.
ولم يبق النشاط في الموكامبو محصوراً بالسكن، إذ شهد الحي، منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تحولاً تدريجياً نحو النشاط التجاري، مع انتشار المحال والأسواق والخدمات، ليصبح لاحقاً من المناطق الحيوية التي يقصدها السكان للتسوق، إلى جانب طابعه السكني.
«الباسيلية».. مشروع عمراني سبق شهرة الموكامبو
تقدم شهادة أخرى من سكان الحي القدامى تفاصيل أوسع عن المراحل الأولى لنشأة المنطقة، وتعيد بداياتها إلى ما قبل التوسع السكني الذي شهدته خلال خمسينيات القرن الماضي.
ويقول باسل كيالي، أحد السكان القدامى في الحي، في حديث خاص لـ«العين السورية»، إن جذور التوسع العمراني في المنطقة تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، عندما بيعت مساحات واسعة من الأراضي الواقعة غرب حلب، ضمن التوجه نحو توسيع المدينة خارج حدودها العمرانية القديمة.
وبحسب رواية كيالي، شهدت تلك المرحلة دخول عدد من المستثمرين إلى المنطقة، ومن بينهم المستثمر باسيل عجبي، الذي يُقال إنه استملك مساحات واسعة من الأراضي امتدت من منطقة الدوار المائل، وسط الحي الحالي، وصولاً إلى منطقة الخالدية شمالاً، التي كانت آنذاك تابعة لقرية الليرمون.
ويوضح كيالي أن عجبي أطلق على مشروعه العمراني اسم «الباسيلية»، بهدف إنشاء ضاحية سكنية تضم مجموعة من المرافق والخدمات، وفق تصور عمراني مختلف عن النمط السائد في الأحياء القديمة.
ويشير إلى أن المخطط شمل مقراً للإدارة وناديين، أحدهما صيفي والآخر شتوي، فيما امتدت حدود المشروع غرباً حتى منطقة جمعية المعلمين، حيث يقع اليوم مشفى الأندلس، وشمالاً باتجاه الخالدية.
وتكشف هذه الرواية جانباً من طبيعة المشاريع السكنية التي بدأت تظهر في حلب خلال تلك المرحلة، إذ لم تكن تقتصر على تقسيم الأراضي وبناء المنازل، بل تضمنت مرافق اجتماعية وترفيهية ضمن المخططات العمرانية.
من الفيلات إلى حي سكني مرتفع الأسعار
وفقاً لشهادة باسل كيالي، بدأ تنفيذ مشروع «الباسيلية» نحو عام 1945، وشهد تشييد مجموعة من الفيلات التي امتلكها عدد من أبناء مدينة حلب، من بينهم محمد مرعشي ومحمد شربجي وعبد الغني ناولو وفائز محفل، إلى جانب آخرين.
ومع دخول خمسينيات القرن الماضي، اتسعت حركة البناء في المنطقة، وبدأ مزيد من العائلات الحلبية بشراء الأراضي وإقامة المنازل والفيلات، ما أسهم في تحول المشروع تدريجياً إلى تجمع سكني آخذ في الاتساع.
ويذكر كيالي أن عائلات من آل وفائي وكيالي كانت من بين العائلات التي بنت منازلها على أراضٍ اشترتها ضمن المشروع، قبل أن يتوسع البناء مع تشييد نوري الجسري منزله، ثم مأمون كيخيا، وغيرهما من السكان الذين أسهموا في تشكيل النواة العمرانية للحي.
ومع مرور الوقت، تحولت المنطقة من مشروع يضم عدداً محدوداً من الفيلات والمنازل إلى حي سكني معروف، تميز بطبيعة أبنيته ومستوى العقارات فيه، حتى أصبح، بحسب روايات السكان، من الأحياء مرتفعة الأسعار في مدينة حلب.
وساعد هذا التطور العمراني على ترسيخ مكانة الموكامبو ضمن خريطة المدينة، قبل أن تضيف الحركة التجارية اللاحقة بعداً جديداً إلى هويته، ليجمع بين السكن والأسواق والخدمات.
اسم غامض وذاكرة عمرانية ممتدة
تكشف الروايات التي جمعتها «العين السورية» من سكان حي الموكامبو عن جانب من التحولات التي شهدتها مدينة حلب خلال القرن الماضي، عندما بدأت المشاريع السكنية الحديثة بالامتداد غرباً، وتغيرت معها طبيعة العمران وأنماط السكن والحياة الاجتماعية.
لكن هذه الشهادات، على أهميتها في توثيق الذاكرة المحلية، لا تحسم جميع التفاصيل التاريخية، ولا سيما ما يتعلق بأصل التسمية، والتسلسل الزمني لبعض المشاريع، وهوية المستثمرين الذين ارتبطت أسماؤهم بمراحل تأسيس الحي وتوسعه.
كما أن اختلاف الأسماء والتواريخ الواردة في الروايات يبرز الحاجة إلى العودة إلى السجلات العقارية والمخططات التنظيمية القديمة ووثائق المشاريع السكنية، إلى جانب الأرشيف الصحفي والإعلاني لتلك المرحلة، للوصول إلى تفسير أكثر دقة لنشأة الحي وتسميته.


