سوريا - اقتصاد
لماذا تلكأت الشركات الأجنبية في الاستجابة لدعوات الاستثمار في قطاع الطاقة السوري ؟
ا
العين السورية
نشر في: ٩ يونيو ٢٠٢٦، ١١:١٠
3 دقيقة
4

بالأمس جرت اجتماعات نوعية في واشنطن بين وزير الطاقة السوري ونظيره الأمريكي، بحضور فنيين من الطرفين.
وما رشح عن الاجتماعات تمحور في بُعد بروتوكولي في الواقع، أي حديث عن عزم شركات أمريكية الاستثمار في قطاع الطاقة السوري، وحديث من الطرف السوري عن ميزات وجاذبية الاستثمار في قطاع الطاقة السوري.
رهان
الواقع أن دمشق تراهن على قطاع الطاقة كرافعة رئيسية لمرحلة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، مدفوعةً بمتغيرات ميدانية بارزة، تجسدت في عودة المنشآت النفطية الواقعة في شمال شرق البلاد إلى مظلة الإنتاج الحكومي بعد أن كانت خارج نطاق سيطرتها التشغيلية لفترة طويلة، وبروز مؤشرات على اهتمام شركات إقليمية ودولية بضخ مليارات الدولارات في مشاريع الإنتاج والكهرباء والبنية التحتية.
تأخر التنفيذ
ألا أن ذلك كله، لم يُترجم حتى الآن إلى تدفقات رأسمالية فعلية، أو إلى تحسن ملموس يخفف من وطأة كلفة الطاقة على المواطن، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول العقبات الهيكلية والتنظيمية التي تكبح انطلاقة هذا القطاع الحيوي.
وبحسب تحليل نشره «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» (Washington Institute for Near East Policy)، فإن قطاع الطاقة السوري يمتلك مقومات واعدة تجعله محوراً للنمو، إلا أن تحويل هذه الإمكانات الكامنة إلى واقع إنتاجي مستدام ما زال رهناً بتطوير بيئة تنظيمية ومؤسسية شفافة، ومعالجة بعض التحديات التشغيلية والضمانات السيادية التي تتجاوز حدود الحسابات الفنية البحتة.
قفزة في الإنتاج
وفقاً للبيانات الصادرة عن «الشركة السورية للبترول»، قفز معدل الإنتاج قفزة كبيرة ليتجاوز عتبة 100 ألف برميل يومياً، بعد أن كان يتأرجح في الفترات السابقة بين 10 آلاف و15 ألف برميل يومياً فقط. بل إن الطموحات المعلنة تذهب إلى أبعد من ذلك، عبر استهداف الوصول إلى 200 ألف برميل يومياً بنهاية عام 2026، وصولاً إلى 800 ألف برميل يومياً بحلول عام 2029 من خلال الإنتاج البري.
مفارقة تحريك الأسعار صعوداً
لكن رغم هذه الأرقام المتصاعدة التي أشاعت أجواء من التفاؤل، شهد السوق المحلي في أيار الماضي تحريكاً لأسعار الوقود، واليوم 9/ حزيران تم تحريك الأسعار ارتفاعاً شمل الديزل والبنزين والغاز، في خطوة عكست حجم الضغوط المالية وتكاليف التأمين والتوريد.
وقد أحدث هذا الإجراء تبايناً واضحاً بين التوقعات المحلية والمعطيات على الأرض، إذ كانت التطلعات تتجه نحو انعكاس زيادة الإنتاج في شكل خفض مباشر لتكاليف المعيشة وتحسن في ساعات التغذية الكهربائية، بدلاً من زيادة الأعباء السعرية.
تفسير
تفسر النظرية الاقتصادية هذه المفارقة بأن زيادة إنتاج النفط الخام في الحقول لا تعني تلقائياً وفرة المشتقات النفطية الرخيصة، فالقطاع يعاني من فجوة هائلة في البنية التحتية الخاصة بالتكرير والنقل والمعالجة. وبسبب تراجع كفاءة المصافي المحلية، يعتمد السوق على استيراد مشتقات جاهزة لتغطية العجز، بالإضافة إلى تأمين شحنات الغاز عبر شبكات الربط الإقليمية ومسارات الترانزيت المتاحة، وهي إمدادات تخضع لكلف الشحن والتأمين العالمية التي ترفع من فاتورة الطاقة الإجمالية.
تفاهمات بانتظار التفعيل
خلال الفترات الأخيرة، أعلنت الحكومة السورية عن سلسلة من مذكرات التفاهم والاتفاقيات الأولية مع شركات طاقة دولية وإقليمية، قُدرت قيمتها الإجمالية بنحو 28 مليار دولار.
وشملت الإعلانات أسماء شركات عالمية كبرى مثل «توتال إنرجيز» (TotalEnergies) الفرنسية، و«كونوكو فيليبس» (ConocoPhillips) الأميركية، و«شل» (Shell) التي نُقلت أصولها دفترياً لـ«الشركة السورية للبترول»، إلى جانب شركات إقليمية مثل «أديس القابضة» (ADES Holding) السعودية لتطوير حقول الغاز في حمص، وشركة «يو سي سي القابضة» (UCC Holding) القطرية لبناء محطات توليد الطاقة الكهربائية بالتعاون مع شركاء أتراك وأميركيين.
وعلى الرغم من الأثر الإيجابي، إلا أن الفحص الدقيق يظهر أن الغالبية العظمى من هذه المشاريع ما زالت أسيرة «مذكرات التفاهم» والدراسات الأولية، ولم تنتقل بعد إلى مرحلة العقود التنفيذية الملزمة أو الضخ الفعلي لرؤوس الأموال.
عقوبات معرقلة
ينسب تقرير المعهد "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" هذه الفجوة التنفيذية إلى اصطدام الشركات الأجنبية بعقبتين رئيسيتين، الأولى العقوبات الدولية والقيود المصرفية الصارمة، حيث ما تزال سوريا، حتى قبل يومين من هذا الشهر حزيران 2026، مدرجة على القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وهذا التصنيف يفرض قيوداً معقدة على سلاسل التوريد، ويجعل شحن المعدات الفنية الحديثة يتطلب تراخيص استثنائية تستغرق وقتاً طويلاً، فضلاً عن امتناع المصارف العالمية عن تمويل هذه المشاريع أو تسهيل معاملاتها المالية خشية التعرض لغرامات قانونية قاسية.
أما العقبة الثانية فتتعلق بتحديات الحوكمة وإجراءات اتخاذ القرار الداخلي، حيث يواجه الهيكل الإداري لقطاع الطاقة تبايناً في الصلاحيات بين الإدارة التنفيذية ومجلس الإدارة، مما دفع نحو إقرار تعديلات تنظيمية جديدة لتبني نموذج «الإدارة الجماعية» بدلاً من القرار الفردي.
تحديات البيئة التشريعية
تحتاج المشاريع الرأسمالية الكبرى في مجالات النفط والغاز والكهرباء إلى أطر تشريعية واضحة تضمن وجود آليات مرنة وشفافة لتسوية النزاعات التجارية والتحكيم الدولي، بالتوازي مع نظام ضريبي ومالي مستقر يتيح تحويل الأرباح للخارج دون عوائق، فضلاً عن كفالة استقرار العقود طويلة الأجل وحمايتها من التقلبات السياسية أو التغييرات الحكومية المفاجئة.
ويلفت تقرير «معهد واشنطن» إلى أن غياب هذه البيئة التشريعية المتكاملة، إلى جانب التوترات الأمنية الإقليمية، يجعل رأس المال الدولي في حالة حذر وترقب مستمر قبل الإقدام على أي خطوة تنفيذية.
ومن هذا المنظور الاستثماري، ترتبط جهود تطوير قطاع الطاقة وتسهيل التدفقات الرأسمالية بمسار أوسع من الإصلاحات الهيكلية التي تشترطها المؤسسات المالية والشركات الدولية لضخ رؤوس أموالها.
ويتضمن هذا المسار ضرورة تحديث المنظومة التشريعية والمالية لتلائم معايير الحوكمة والشفافية المعمول بها عالمياً، إلى جانب توفير ضمانات واضحة لحماية الأصول الرأسمالية، وهي عوامل أساسية يراها الخبراء ضرورية لتبديد مخاوف المستثمرين، وتخفيف مخاطر الائتمان والمخاطر التشغيلية المحيطة بالمشاريع طويلة الأجل في هذا القطاع.
مستقبل التعافي
تمثل موارد الطاقة السورية فرصة واعدة قد تسهم في إعادة الإعمار، إلا أن التحليل يؤكد أن التدفق الحقيقي لرؤوس الأموال الاستثمارية سيبقى مؤجلاً في المنظور القريب، إلى حين تقديم ضمانات قانونية وتشغيلية صلبة، وبناء بيئة أعمال حقيقية تتسم بالشفافية والاستقرار، والقدرة على تحويل الوعود الاقتصادية إلى مشاريع إنتاجية ملموسة على أرض الواقع.


